حسين بن منصور الحلاج
14
ديوان الحلاج
فعاد الجواب من الغد من جهة مفلح : إذا كان القضاة قد أباحوا دمه فليحضر محمد بن عبد الصمد صاحب الشرطة ، ويتقدم بتسليمه وضربه ألف سوط فإن هلك وإلا فضربت عنقه . فسر حامد ، وأحضر صاحب الشرطة ، وأقرأه ذلك ، وتقدم إليه بتسليم الحلاج ، فامتنع ، وذكر أنه يتخوف أن ينتزع منه ، فبعث معه غلمانه حتى يصيروه إلى مجلسه ، ووقع الاتفاق على أن يحضر بعد عشاء الآخرة ، ومعه جماعة من أصحابه ، وقوم على بغال موكفة مع سياس ، فيحمل على واحد منها ، ويدخل في غمار القوم . وقال حامد له : إن قال لك : أجري لك الفرات ذهبا ، فلا ترفع عنه الضرب . فلما كان بعد العشاء ، أتى محمد بن عبد الصمد إلى حامد ، ومعه الرجال والبغال ، فتقدم إلى غلمانه بالركوب معه إلى داره ، وأخرج له الحلاج ، فحكى الغلام : أنه لما فتح الباب عنه وأمره بالخروج ، قال : من عند الوزير ؟ قال : محمد بن عبد الصمد . قال : ذهبنا واللّه . وأخرج ، فأركب بغلا ، واختلط بجملة الساسة ، وركب غلمان حامد حوله حتى أوصلوه ، فبات عند ابن عبد الصمد ، ورجاله حول المجلس . فلما أصبح ، أخرج الحلاج إلى رحبة المجلس ، وأمر الجلاد بضربه ، واجتمع خلائق ، فضرب تمام ألف سوط وما تاؤه ، بلى لما بلغ ستمائة سوط ، قال لابن عبد الصمد : ادع بي إليك ، فإن عندي نصيحة تعدل فتح قسطنطينية . فقال له محمد : قد قيل لي : إنك ستقول ما هو أكبر من هذا ، وليس إلى رفع الضرب سبيل . ثم قطعت يده ، ثم رجله ، ثم حز رأسه ، وأحرقت جثته . وحضرت في هذا الوقت راكبا والجثة تقلب على الجمر ، ونصب الرأس يومين ببغداد ، ثم حمل إلى خراسان وطيف به . وأقبل أصحابه يعدون أنفسهم برجوعه بعد أربعين يوما . واتفق زيادة دجلة تلك السنة زيادة فيها فضل ، فادعى أصحابه أن ذلك بسببه ، لأن رماده خالط الماء . وزعم بعضهم : أن المقتول عدو للحلاج ألقي عليه شبهه . وادعى بعضهم أنه - في ذلك اليوم بعد قتله - رآه راكبا حمارا في طريق النهروان ، وقال : لعلكم مثل هؤلاء البقر الذين ظنوا أني أنا المضروب المقتول . وزعم بعضهم أن دابة حولت في صورته . وأحضر جماعة من الوراقين ، فأحلفوا أن لا يبيعوا من كتب الحلاج شيئا ولا يشتروها ) « 1 » .
--> ( 1 ) سير أعلام النبلاء 14 / 339 - 341 ، وتاريخ بغداد 8 / 138 ، ونشوار المحاضرة 6 / 87 - 92 .