الشيخ أحمد فريد المزيدي
81
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
وقال أبو الطيب العكي : قال الجريري : التسرع إلى استدراك علم الانقطاع وسيلة ، والوقوف على حد الانحسار نجاة ، واللّياذ بالمهرب من علم الدنو صلة واستفتاح ، فقد ترك الجواب ذخيرة ، والاعتصام من قبول دواعي استماع الخطاب تلطف ، وخوف فوت علم ما انطوى من فصاحة الفهم في حين الإقبال مساءة ، والإصغاء إلى تلقي ما يفضل من معدنه بعد ، والاستسلام عند التلاقي جرأة ، والانبساط في محل الأنس غرة . وقال أبو محمد الراسبي ببغداد : سمعت أبا محمد الجريري يقول : رأيت في النوم كأن قائلا يقول لي : لكل شيء عند اللّه حق ، وإن أعظم الحقوق عند اللّه حق الحكمة ، فمن جعل الحكمة في غير أهلها طالبه اللّه بحقها ، ومن طالبه بحقها خصم . وقال أبو بكر الرازي : سمعت أبا محمد الجريري وسئل عن القراء ؟ فقال : هو الذي طلب الآخرة ، وسعى لها سعيها ، وأعرض عن الدنيا والاشتغال بها . وقال أحمد بن عطاء : سمعت أبا صالح يقول : قيل لأبي محمد الجريري : متى يسقط عن العبد ثقل المعاملة ؟ فقال هيهات ما بد منها ، ولكن يقع الحمل فيها . وبهذا الإسناد قال الجريري : أدل الأشياء على اللّه تعالى ثلاثة : ملكه الظاهر ، ثم تدبيره في ملكه ، ثم كلامه الذي يستوفي كل شيء . وقال أبو محمد الجريري : من استولت عليه النفس صار أسيرا في حكم الشهوات محصورا في سجن الهوى ، وحرم اللّه على قلبه الفوائد فلا يستلذ كلامه ولا يستحليه ، وإن كثر ترداده على لسانه ، لأن اللّه تعالى يقول : سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ [ الأعراف : 146 ] : أي حتى لا يفهمونه ولا يجدون له لذة ، لأنهم تكبروا بأحوال النفس والخلق والدنيا ، فصرف اللّه عن قلوبهم فهم مخاطباته ، وأغلق عليهم سبيل فهم كتابه ، وسلبهم الانتفاع بالمواعظ ، وحبسهم في عقولهم وآرائهم ، فلا يعرفون طريق الحق ولا يسلكون سبيله . وكان يقول : قوام الأديان ، ودوام الإيمان ، وصلاح الأبدان في خلال ثلاث : الاكتفاء ، والاتقاء ، والاحتماء . فمن اكتفى باللّه صلحت سريرته ، ومن اتقى ما نهي عنه استقامت سيرته ، ومن احتمى ما لم يوافقه ارتاضت طبيعته ، فثمرة الاكتفاء صفو المعرفة ، وعاقبة الاتقاء حسن الخليقة ، وغاية الاحتماء اعتدال الطبيعة .