الشيخ أحمد فريد المزيدي

68

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

بها من ربي ، ولو أن الصدق والإخلاص كانا لي عبدين لبعتهما زهدا مني فيهما لأني إن كنت عند اللّه في علم الغيب سعيدا مقبولا لم أتخلف باقتراف الذنوب والمآثم ، وإن كنت عنده شقيا مخذولا لم تسعدني توبتي ، وإخلاصي وصدقي ، وإن اللّه خلقني إنسانا بلا عمل ، ولا شفيع كان لي إليه ، وهداني لدينه الذي ارتضاه لنفسه ، فقال : وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ [ آل عمران : 85 ] فاعتمادي على فضله وكرمه أولى بي إن كنت حرا عاقلا من اعتمادي على أفعالي المدخولة ، وصفاتي المعلولة لأن مقابلة فضله وكرمه بأفعالنا من قلة المعرفة بالكريم المتفضل . قال : وقال يوسف : لولا أني مستعبد بترك الذنوب ، لأحببت أن ألقاه بذنوب العباد أجمع ، فإن هو عذبني كان أعذر له في عذابي مع أنه لو عذب الخلق جميعا ، كان عدلا منه وإن عفا عني كان أظهر لكرمه عندهم في عفوي مع أنه لو لم يعف عن أحد من خلقه لكان ذلك منه فضلا وكرما ، وكانت له الحجة البالغة ، وذلك أن الملك ملكه والسلطان سلطانه ، والخلق مترددون بين عدله وفضله ، بل الكل كرم وإفضال ، فقد أحسن مع الكل حيث قال : أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ [ غافر : 46 ] ، فمن عفا عنه فبفضله ، ومن عذبه فبعدله ، وهو إلى الفضل أقرب : لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ [ الأنبياء : 23 ] ، وقال يوسف : في الدنيا طغيانان : طغيان العلم ، وطغيان المال ، فالذي ينجيك من طغيان العلم العبادة ، والذي ينجيك من طغيان المال الزهد فيه . وسئل يوسف عن قول النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « أرحنا بها يا بلال » ؟ فقال : معناه أرحنا بها من أشغال الدنيا وحديثها لأنه كان قرة عينه في الصلاة . مات رحمه اللّه تعالى سنة أربع وثلاثمائة . * * *