الشيخ أحمد فريد المزيدي

39

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

تكلمت جوارحه ، قالت : اللّه ، وأعضاؤه مملوءة من اللّه . فأنكروا عليه هذه الألفاظ وأخرجوه من مصر . قال ثم ردّ بعد عزيزا . ويروى عن الجنيد قال : لو طالبنا اللّه بحقيقة ما عليه أبو سعيد لهلكنا ، فقيل لإبراهيم بن شبيان : ما كان حاله ؟ قال : أقام سنين ما فاته الحق بين الخرزتين . وعن المرتعش قال : الخلق عيال على أبي سعيد الخراز ، إذا تكلم في الحقائق . ومن كلامه : قال الكتاني : سمعت أبا سعيد يقول : من ظنّ أنه يصل بغير بذل المجهود فهو متمني ، ومن ظنّ أنه يصل ببذل المجهود فهو متعنّي . وقال أبو سعيد الخراز : إن اللّه تعالى عجّل لأرواح أوليائه التلذذ بذكره ، والوصول إلى قربه ، وعجّل لأبدانهم النعمة بما نالوه من مصالحهم ، وأجزل نصيبهم من كل كائن فعيش أبدانهم عيش الجنانيين ، وعيش أرواحهم عيش الربانيين ، لهم لسانان لسان في الباطن ، يعرفهم صنع الصانع في المصنوع ، ولسان في الظاهر ، يعلمهم علم المخلوقين ، فلسان الظاهر يكلم أجسامهم ، ولسان الباطن يناجي أرواحهم . وسئل أبو سعيد عن الأنس ما هو ؟ فقال : استبشار القلوب بقرب اللّه تعالى ، وسرورها به ، وهدوؤها في سكونها إليه وأمنها معه من حيث الروعات ، وإعفاؤه لها من كل ما دونه أن يشير إليه حتى يكون هو المشير لأنها ناعمة به ، ولا تحمل جفاء غيره . وكان أبو سعيد الخراز نائما فانتبه وقال : اكتبوا ما وقع لي في هذا النوم ، إن اللّه تعالى جعل العلم دليلا عليه ليعرف ، وجعل الحكمة رحمة منه عليهم ، ليؤلف ، فالعلم دليل إلى اللّه ، والمعرفة دالة على اللّه ، فبالعلم تنال المعلومات ، وبالمعرفة تنال المعروفات ، والعلم بالتعلم ، والمعرفة بالتعرف ، فالمعرفة تقع بتعريف الحق ، والعلم يدرك بتعريف الخلق ، ثم تجري الفوائد بعد ذلك . وقال أيضا : مثل النفس مثل ماء واقف طاهر صاف ، فإن حركته تظهر ما تحته من الحمأة ، وكذلك النفس تظهر عند المحن ، والفاقة والمخافة ، ومن لم يعرف ما في نفسه كيف يعرف ربه ؟ وتوفي رحمه اللّه تعالى سنة ست وثمانين ومائتين ، وقيل : بل توفي سنة سبع وسبعين ومائتين .