الشيخ أحمد فريد المزيدي

338

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

وهم أي المتأولون في ذلك على معان مختلفة : فمتأول متبين الإغماض والأغراض فيما استكنّ في خفايا نفسه ، فمضى فيه على ما عليه منه والعلم بنكته ، ولا يتركه في كثير من الأوقات ، ويستتر ذلك عليه في بعض أوقاته . ومتأول قصد الصحة والتحقيق فيما تأوله ، ولحقه في ذلك الميل من حيث لم يستدركه ، وانطوى عليه ما عليه فيما قصد له ، وكان عنده أن الذي عمد له وتأوله أولى به من غيره ، فمضى على ذلك ، وهذا نعت حاله ، فكان مما قصد له في التأويل على معنى الصفة الأولى ، والتي تبين لصاحبها خفي أغماضه وطويّ ما في نفسه ، إذ جعل العلم ذريعة وسببا إلى ذلك ، فلبس حليته وتجمل بلبوسه ، وأظهر بالتأويل أثر العلم ، ودعا إليه ، ونصب نفسه للشهرة له ، ليعلم الناس ما علم منه ، فلما عرف موضعه ومكانه ، وسمع منه وأقبل الناس عليه نحوه ، استحسن اجتماع العوام عليه وثناء الجاهلين بما ليس فيه ، فقوي عليه بذلك سلطان التأويل ، وأوهم نفسه حظ اجتماعهم ، وانبساط ثنائهم ، وكثرة تعظيمهم ، وحسن قبولهم له بما ظهر من نفسه وتحسن به مما يعلم اللّه تعالى منه خلاف ما أسره وأضمره . فما استوى له ذلك عند العوام والجهلة ، وكثرة حمد الحامدين بالغلط والغفلة ، مال إلى ما في نفسه من أخذ العوض على ما نشر من علمه ، ورضي بما تعجله من ذلك ثوابا لعلمه ، وصار بائعا للعلم بالثمن اليسير والخطر القليل ، ورضي بالدنيا عوضا من الآخرة ، ومن ثواب اللّه تعالى على الأعمال الصالحة ، فأصبح في جملة من ذمه اللّه تعالى في كتابه وقص علينا من بيانه على لسان نبيه صلى اللّه عليه وسلّم قال اللّه عز وجلّ : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ [ آل عمران : 187 ] ، وقال تعالى : فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ [ الأعراف : 169 ] . فذمّهم اللّه تعالى وقص علينا في كتابه ، وصرح بذلك إلى العقلاء من عباده ، وبينه بيانا محكما قويا لئلا يكون لمحتج في ذلك حجة ، ولا لقائل فيه مساغ ولا مدافعة . ثم إن اللّه تعالى قص علينا قصص الأنبياء عليهم السلام ، وأخبرنا بما نعتهم به ، وبما أخذ عليهم من ترك الدنيا ، والتشمير إلى الآخرة ، وألا يأخذوا على شيء من ذلك ثمنا ،