الشيخ أحمد فريد المزيدي
327
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
قلت [ للجنيد ] : فيما أبان منك هذا النطق « ولا صفة تبدو ولا داعية تحدو » ؟ قال : نطقت بغيبتي عن حالي ، ثم أبدي على من شاهد قاهر وظاهر شاهر . أفناني بإنشائي كما أنشاني بدنيا في حال فنائي ، فلم أؤثر عليه لبراءته من الآثار ، ولم أخبر عنه إذا كان متوليا للإخبار . أليس قد محى رسمي بصفته ، وبامتحائي فات علمي في قربه ، فهو المبدئ كما هو المعيد . قلت : فما قولك « أفناني بإنشائي كما أنشأني بدنيا في حال فنائي » ؟ قال : أليس تعلم أنّه عز وجلّ قال : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا [ الأعراف : 172 ] ، فقد أخبرك عز وجلّ أنه خاطبهم وهم غير موجودين إلا بوجوده لهم ، إذ كان واجدا للخليقة بغير معنى وجودها لأنفسها ، بالمعنى الذي لا يعلمه غيره ، ولا يجده سواه ، فقد كان واجدا محيطا شاهدا عليهم بدنيا في حال فنائهم عن بقائهم ، الذين كانوا [ في الأزل ] للأزل ، فذلك هو الوجود الرباني والإدراك الإلهي الذي لا ينبغي إلا له جلّ وعزّ ؛ ولذلك قلنا إنه إذا كان واجدا للعبد يرى عليه مراده من حيث يشاء بصفته المتعالية التي لا يشارك فيها ، كان ذلك الوجود أتم الوجود وأمضاه لا محالة ، وهو أولى وأغلب وأحق بالغلبة والقهر وصحة الاستيلاء على ما يبدو عليه ، حتى يمحي رسمه عامة ويذهب وجوده ، إذ لا صفة بشرية ووجود ليس يقوم به لما ذكرنا ، تعاليا من الحق وقهره ، إنما هذا تلبس على الأرواح [ ما لها من الأزلية ] . نعيم ليس [ من ] جنس النعيم المعقول ، وسخاء بالحق لا من جنس السخاء المعلوم ، إذ كان عزّ وجلّ لا يحس ولا يحس ولا يبدل ذاتيته ، ولا يعلم أحد كيفية لطائفه في خلقه ، وإنما معنى ذلك رباني لا يعلمه غيره ولا يقدر عليه إلا هو ، ولهذا قلنا إن الحق أفنى ما بدا عليه ، وإذا استولى كان أولى بالاستيلاء وأحق بالغلبة والقهر . قلت : فما يحد أهل هذه الصفة ، وقد محوت اسم وجودهم وعلومهم ؟ قال : وجودهم بالحق بهم وما بدا عليهم بقول وسلطان غالب ، لا ما طالبوه فتذكروه وتوهموه بعد الغلبة ، فيمحقها ويفنيها ، فإنه غير متشبث بهم ولا منسوب إليهم ، وكيف يصفون أو يجدون ما لم يقوموا فيحملوه ، أو يقاربوه فيعلموه ، وإنّ الدليل على ذلك من الخبر الموجود ، أليس قد روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : قال اللّه عزّ وجلّ « لا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به » . وفي الحديث زيادة في