الشيخ أحمد فريد المزيدي
325
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
الخاطر الشيطاني : وأما الخاطر الشيطاني فله أيضا علامتان : إحداهما : تنبيهه ببعض ما تحتاج النفس إليه بداعي الشهوة أو داعي الراحة في الأوقات المألوف تحصيل النفس مطلوباتها فيها ، والفرق بينه وبين النفساني في هذا الباب أن النفساني يلح ولا يذهب ، وهذا يذهب تارة ويكرّ . فكلّ ما لهي الإنسان عنه بسبب فتور النفس ألّح عليها بالتذكير للشهوة ، وتكون حركة النفس عند هذا التذكير أكثر من الخاطر النفساني ، إذا الخاطر النفساني إنما خطر لشدّة الحاجة . والثانية : أنّ هذا الخاطر الشيطاني يبتدئ ويطرأ على عقله ، والخاطر النفساني متّصل ، محرّك للطبع نحو الشهوة أو الراحة ، وذلك أنّ وسوسة الشيطان إنما هي تجري مجرى مخاطبة الإنسان للإنسان ، غير أنّ الفرق بين هذا وذاك ألا يراه ، والإنسان يحرّك قلبك من جهة حاسة الأذن عند الخطاب أو التصويت ، والبصر عند الإشارة ، والحس عند الغمز ، والشيطان يحرّك ذلك من الوسوسة وغمز القلب والخطورة فيه ، وهو لا يعلم المغيب ، وإنما يأتي إلى النفس من جهة الأخلاق التي ألف انفعالها له ؛ فهذا الفرق بين النفساني والشيطاني . الخاطر الرباني : أما الخاطر الرّباني فإنّه يستدلّ عليه بشاهدين أيضا : أحدهما : وهو المقدّم ، موافقة الشرع للخاطر وشهادته بصحته . والثاني : فتور النفس عن قبوله ابتداء ، حتى يحصل لها نوع الترغيب ، وهو الهجوم على النفس من غير مقدّمات له كالشيطاني . إلا أنّ سرعة النفس لموافقة الخاطر الشيطاني أكثر ، وهي له أبدر ، وهي عن هذا [ الخاطر الرّبّاني ] أكسل ؛ إذ الشيطان إنما يجيؤها من شهواتها وراحاتها ، وهذا يأتي من جهة التكليف ، وتنفر نفرة من التكليف عند وروده عليها . فهذا الفرق بين هذا [ وبين ] الخاطر الشيطاني والخاطر النفساني . فإذا خطر لك [ خاطر الخير ] فزنه بهذه الموازين الثلاث ، واستشهد في كلّ فصل منه بالشواهد التي أشرنا لك ، فتميّز لك الخواطر ، فاصنع في الشيطاني والنفساني ما كنا ذكرناه لك في المدافعة الحاسمة لهما ، وبادر لهذا الخاطر الرباني ، ودع التشاغل والتضييع ، فإنّ الوقت ضيق والحال يتحول .