الشيخ أحمد فريد المزيدي

322

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

مناجاتهم ، فما يصدّون عند لقائه في معادهم . وإنما قطع الخلق عن اللّه عزّ وجلّ اتّباعهم الأهواء ، وطاعتهم الأعداء ، ومحادثتهم لزهرة الحياة الدنيا ، وإيثارهم ما يفني على ما يبقى . فبادر يا أخي إلى إصلاح ما مضى من العمر ، وما ضاع منه بالسهو والغفلة والتفريط والتواني ، لحفظ ما أبقى عليك منه بالانزعاج والخوف والجدّ والحذر ، قبل فوات أوان الوقت ، ونزول الموت . فإنه لا يرضى عمّن بقي إلا بمثل العمل الذي به رضي عمّن سلف ، فاسع في فكاك الرقّ بترك ملابسة العلائق الشّاغلة . فإنّ للّه يوما يبرز فيه الخبايا ، وتبدو فيه الأعمال ، يوم لا يثق فيه شهيد ولا صدّيق بعمله ، ولا يرجو فيه أحد إلا التّجاوز والعفو من ربّه ، يوم تكثر فيه النّدامة ، وتقوى فيه الملامة . فالآن ما دام العذر مقبولا ، والوقت مبسوطا ، والعمل ممدودا ، والتّوبة مقبولة ، والذّنب تمحوه الإنابة ، والنّدم والقول فيه مسموعا ، والخير فيه متبوعا ، والحقّ بيّنا ، والطّريق واضحا ، والحجّة لازمة ، فلله الحجّة البالغة ، فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ [ الأنعام : 149 ] . وآثار مشيئة الهداية بيّنة عند أهل الهدى ، فمن علامة من نعته ، سهولة الطاعة ، ومحبّة الموافقة ، ورؤية النّفس بعين العجز ، والانقطاع عن القيام بالواجب ، أو الموالاة والمؤاخاة والمصافاة والمحبة والمواساة ، والإيثار على النفوس لأهل القرب ، والمواصلة في ذات اللّه عزّ وجلّ ؛ والمعاونة لأهل الولاية ، والذّبّ عن حريم الحقّ ، والتّراضي بالصّبر على ما تقدّم من الأمر ، والاستخفاف وخفّة المؤن ، والتّعلل والتّجري والتّحري ، ومدافعة الأوقات ، والوقوف على حدّ الأمر في إدخال السرور عليهم ومخالطتهم ومجالستهم ، وترك التّرفّع عليهم ، فيهم أوصى اللّه تعالى لنبيه صلى اللّه عليه وسلّم ، فقال : وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا [ الكهف : 28 ] . جعلنا اللّه وإياكم ممن عرف حقّ اللّه فاستعمله ، واشتغل به ولم يشتغل عنه ، وحفظ علينا وعليك ما استرعانا ، وأحسن معونتنا وإيّاك على أداء الشّكر ودوام الذّكر ، إنه وليّ الإحسان ، وموعد العبيد الجنان ، وواعدهم بالنيران . تمّ الكتاب بحمد للّه ومنّه ، وصلّى اللّه على سيدنا محمّد وآله وسلّم . * * *