الشيخ أحمد فريد المزيدي

317

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

حظ بلمحة . أوحي إليه حينئذ ما أوحي ، هيّأه لفهم ما أولاه بما به تولاه ، واجتباه لأمر فحمل ما حمّل ، فحمل . فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى [ النجم : 10 ] ، وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى [ النجم : 7 ] ، ضاقت الأماكن ، وخنست المصنوعات عن أن تجري فيها ، أو غلبها وحي ما أوتي إلا بالأفق الأعلى ، إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى [ النجم : 16 ] ، نظر من خلال نظره من غير منظوره إلى السّدرة ، حيث غشّاها ما غشّى ، فثبتت لما غشّاها . وانظر إلى الجبل ، حيث جعله لجلاله دكّا ، وخرّ موسى صعقا ، فلما أفاق قال : سبحانك تبت إليك أن أعود لمسألتك الرّؤية بعد هذا المقام ، إلى إكباره ما فرّط من سؤاله ، وإلى أن العلم لو صادف حقيقة في وقت المسألة لم يكن القول سائغا يليق به . وفي هذا المكان علم ليس حقه الرسم ، ولا يليق بالكتب . وانظر إلى إخباره عن حبيبه : وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى ( 13 ) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى [ النجم : 13 ، 14 ] ، والعند هاهنا لا يقتضي مكانا ، إنما يقتضي وقت كشف علم الوقت . فانظر إلى فضل الوقتين ، ومختلف المكانين ، وفرق ما بين المنزلين في العلوّ والدنوّ ، ولذلك فضّلت عقول المؤمنين من العارفين ، فمنها ما يطيق خطاب المناجاة مع علم قرب من ناجاه وأدناه ، فلا يستره في الدنو علم الدنو ، ولا في العلو علم العلو . ومنها ما لا يطيق ذلك ، فيجعل الأسباب هي المؤدية إلى الفهم ، وبها يستدرك الخطاب ، فيكون منه الجواب ، ولا تقف عند قوله تعالى : وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ [ الشورى : 51 ] . وهذه أماكن يضيق بسط العلم فيها ، إلا عند المفاوضة لأهل المحاورة ، وهي الاشتغال بعلم مسالك الطرقات المؤدّية إلى علوم أهل الخالصة ، الذين خلوا من خلواتهم ، وبرئوا من إراداتهم ، وحيل بينهم وبين ما يشتهون ، وعصفت بهم رياح الفطنة ، فأوردتهم على بحار الحكمة ، فاستنبطوا صفو ماء الحياة ، لا يحذرون غائلة ، ولا يتوقعون نازلة ، ولا يشرهون إلى طلب بلوغ غاية ، بل الغايات لهم بدايات . هم الذين ظهروا في باطن الخلق ، وبطنوا في ظاهرهم . أمناء على وحيه ، حافظون لسره ، نافذون لأمره ، قابلون بحقه ، عاملون بطاعته ، يسارعون في الخيرات ، وهم لهم سابقون ، جرت معاملتهم في مبادي أمورهم ، بحسن الأدب فيما ألزمهم القيام به من حقوقه ، لم تبق عندهم نصيحة إلا بذلوها ، ولا قربة إلا وصلوها .