الشيخ أحمد فريد المزيدي
261
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
الصدق فعل قلبيّ ، والإيقان ما استقرّ من العلم عندي ، فكيف يجوز أن يفعل فعلي ، وإنما أنا الفاعل ، أو يعلم علمي ، وإنما أنا العالم ، والسؤال في الابتداء غير مستقيم ، ولو جاز أن يكون للإيمان إيمان وللتصديق تصديق جاز أن يوالى ذلك ويكرر إلى غاية تكثر في العدد ، وجاز أن يكون كما عاد على ثواب إيمانيّ وثواب تصديقيّ أن يعود على إيمان إيمانيّ ثواب ، وعلى تصديق تصديقيّ جزاء ، ولو أردت استقصاء القول في جواب ذلك لاتسع به الكتاب ، وطال به الخطاب ، وهذا مختصر من الجواب « 1 » . سئل الجنيد عن علامة الإيمان ؟ قال : الإيمان علامته طاعة من آمنت به ، والعمل بما يحبّه ويرضاه ، وترك التشاغل عنه بشيء ينقضي عنده ، حتى أكون عليه مقبلا ، ولموافقته مؤثرا ، ولمرضاته متحريّا ؛ لأن من صفة حقيقة علامة الإيمان ألا أؤثر عليه شيئا دونه ، ولا أتشاغل عنه بسبب سواه ، حتى يكون المالك لسري والحاثّ لجوارحي بما أمرني من آمنت به وله عرفت ، فعند ذلك تقع الطاعة للّه على الاستواء ، ومخالفة كل الأهواء ، والمجانبة لما دعت إليه الأعداء ، والمتاركة لما انتسب إلى الدنيا ، والإقبال على من هو أولى ، وهذه بعض الشواهد والعلامات فيما سألت عنه ، وصفة الكل يطول شرحه « 2 » . سئل الجنيد العناية قبل أم البداية ؟ فقال : العناية قبل الطين والماء « 3 » . وقال رجل للجنيد رضي اللّه عنه : يا أبا القاسم ، هل رأيتم ربّكم حين عبدتموه ، أم اعتقدتم الوصول إليه بقلوبكم ؟ فقال الجنيد رضي اللّه عنه : أيها السائل ، ما كنا لنعبد ربّا لا نراه ، وما كنا بالذي تراه أعيننا ، فنشبهه ، وما كنا بالذي نجهله فلا ننزهه . فقال له الرجل : فكيف رأيتموه ؟ فقال له : الكيفية معلومة في حق البشر مجهولة في حقّ الرب ، لن تراه الأبصار في هذه الدار بمشاهدة العيان ، ولكن تعفّه القلوب بحقائق الإيمان ، ثم تترقى من المعرفة إلى رؤية بمشاهدة نور الامتنان ، فهو سبحانه مرئيّ بالحقائق القدسية ، منزّه عن الصفات الحدثية ، مقدس بجماله ، منعوت بكماله ، متفضّل على القلوب بمواهبه ونواله ، معروف بعدله ، منعوت بفضله انتهى .
--> ( 1 ) انظر : الحلية ( 10 / 266 ) . ( 2 ) انظر : حلية الأولياء ( 10 / 266 ) . ( 3 ) انظر : الحلية ( 10 / 270 ) .