الشيخ أحمد فريد المزيدي
259
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
وقال قدّس سرّه : اعلم أن الناس ثلاثة : طالب قاصد ، ووارد واقف ، وداخل قائم ، أما الطالب للّه عز وجلّ فإنه قاصد نحوه باسترشاد دلائل علم الظاهر ، معامل للّه عز وجلّ بجد ظاهره ، أو وارد للباب واقف عليه متبين لمواضع تقريبه إيّاه بدلائل تصفية باطنه ، وإدرار الفوائد عليه ، معامل للّه عز وجلّ في باطنه ، أو داخل بهمه ، قائم بين يديه ، منتف عن رؤية ما سواه ؛ ملاحظا لإشارته إليه ، مبادرا فيما يأمره مولاه ، فهذه صفة الموحد للّه عز وجلّ « 1 » . اعلم أن التوحيد في الخلق على أربعة أوجه : فوجه منها توحيد العوام ، ووجه منها توحيد أهل الحقائق بعلم الظاهر ، ووجهان منها توحيد الخواص من أهل المعرفة . فأما توحيد العوام : فالإقرار بالوحدانية بذهاب رؤية الأرباب والأنداد والأضداد والأشكال والأشباه ، والسكون إلى معارضات الرغبة والرهبة ممن سواه ؛ فإن له حقيقة التحقيق في الأفعال ببقاء الإقرار . وأما توحيد حقائق علم الظاهر : فالإقرار بالوحدانية بذهاب رؤية الأرباب والأنداد والأشكال والأشباه ، مع إقامة الأمر والانتهاء عن النهي في الظاهر ، مستخرجة ذلك منهم من عيون الرغبة والرهبة والأمل والطمع ، فإقامة حقيقة التحقيق في الأفعال لقيام حقيقة التصديق بالإقرار . وأما الوجه الأول من توحيد الخاص : فالإقرار بالوحدانية بذهاب رؤية هذه الأشياء مع إقامة الأمر في الظاهر والباطن ، بإزالة معارضات الرغبة والرهبة ممن سواه ، مستخرجة ذلك من عيون الموافقة بقيام شاهد الحق معه مع قيام شاهد الدعوة والاستجابة . والوجه الثاني من توحيد الخاص : فشبح قائم بين يديه ليس بينهما ثالث ، تجري عليه تصاريف تدبيره ، في مجاري أحكام قدرته ، في لجج بحار توحيده ، بالفناء عن نفسه ، وعن دعوة الحق له ، وعن استجابته له ، بحقائق وجود وحدانيته في حقيقة قربه ، بذهاب حسه وحركاته ، لقيام الحق له فيما أراده منه ، والعلم في ذلك أنه رجع آخر العبد إلى أوله ، أن يكون كما كان ؛ إذ كان قبل أن يكون ، والدليل في ذلك قول اللّه وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [ الأعراف : 172 ] ، فمن كان قبل أن يكون ، وهل أجابت إلا الأرواح الطاهرة العذبة
--> ( 1 ) النص من مقطوعة عن نشرة عبد القادر ( ص 53 ، 54 ) ، من المخطوطتين ( 226 - 227 ) ، ( 64 / ق / أ ) إلى ( 64 / ق / ب ) .