الشيخ أحمد فريد المزيدي
254
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
قال الجنيد قدّس اللّه سرّه في معنى قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ [ الأعراف : 172 ] ؟ فمن أين كان وكيف كان قبل أن يكون هل أجابت إلا الأرواح الطاهرة ، بإقامة القدرة ، وإنفاذ المشيئة ؟ فهو الآن في الحقيقة ما كان قبل أن يكون ، وهذا غاية حقيقة التوحيد للواحد أن يكون العبد كما لم يكن ، ويبقى اللّه تعالى كما لم يزل « 1 » . قال الجنيد : أشرف المجالس وأعلاها الجلوس مع الفكرة ، في ميدان التوحيد ، والتنسّم بنسيم المعرفة ، والشرب بكأس المحبة من بحر الوداد ، والنظر بحسن الظن للّه عز وجلّ . ثم قال : يا لها من مجالس ما أجلّها ، ومن شراب ما ألذه ، طوبى لمن رزقه « 2 » . قال الجنيد : التوحيد هو الخروج من ضيق رسوم الزمانية إلى سعة فناء السرمدية « 3 » . قال الجنيد : سئل بعض العلماء عن التوحيد ؟ فقال : هو اليقين . فقال السائل : بيّن لي ما هو ؟ فقال : هو معرفتك أن حركات الخلق وسكونهم فعل اللّه عز وجلّ وحده ، لا شريك له ، فإذا فعلت ذلك فقد وحّدته « 4 » . وقيل لعبد اللّه بن سعيد بن كلاب : أنت تتكلم على كلام كل أحد ، وهاهنا رجل يقال له : الجنيد ، فانظر هل تعترض عليه أم لا ؟ فحضر حلقته ، وسأل الجنيد عن التوحيد ، فأجابه ، وتحيّر عبد اللّه ، وقال : أعد عليّ ما قلت . فأعاد ، ولكن لا بتلك العبارة . فقال عبد اللّه : هذا شيء آخر لم أحفظه ، تعيده عليّ مرة أخرى ، فأعاد بعبارة أخرى ، فقال عبد
--> ( 1 ) انظر : اللمع ( ص 50 ) . ( 2 ) انظر : الرسالة ( 1 / 43 ) ، والإحياء ( 4 / 425 ) ، والفيض للمناوي ( 4 / 529 ) وعقب بقوله : قالوا : كان الرجل من بني إسرائيل إذا تعبد ثلاثين سنة أظلته سحابة ففعله رجل فلم تظله فشكى لأمه فقالت : لعلك أذنبت ؟ قال : لا ، قالت : فهل نظرت إلى السماء فرددت مفكر فيها ، قال : نعم قالت : من هاهنا أتيت ، فعلى العاقل ألا يهمل التفكر ، ومن الجوائز أن تروح غدا مع الجنائز ، فالحازم لا يترك مسارح النظر ترقد ولا تكرى إلا وهو يقظان الفكر نهار يحول وليل يزول وشمس تجري وقمر يسري وسحاب مكفهر وبحر مستطر وخلق تمور ووالد يتلف وولد يخلف ما خلق اللّه هذا باطلا وأن بعد ذلك أثوابا وأحقابا وحشرا ونشرا وثوابا وعقابا . ( 3 ) انظر : اللمع ( ص 49 ) . ( 4 ) انظر : الرسالة ( 1 / 36 ) ، والحلية ( 10 / 256 ) .