الشيخ أحمد فريد المزيدي

243

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

قال الجنيد : ما أخذنا التصوف عن القال والقيل ، لكن عن الجوع ، وترك الدنيا ، وقطع المألوفات ، والمستحسنات ؛ لأن التصوف هو صفاء المعاملة مع اللّه ، وأصله العزوف عن الدنيا ، كما قال حارثة : عزفت نفسي عن الدنيا ، فأسهرت ليلي ، وأظمأت نهاري « 1 » . سئل الجنيد عن التصوف ؟ فقال : تصفية القلب عن موافقة البرية ، ومفارقة الأخلاق الطبيعية ، وإخماد الصفات البشرية ، ومجانبة الدواعي النفسانية ، ومنازلة الصفات الروحانية ، والتعلق بالعلوم الحقيقية ، واستعمال ما هو أولى عن الأبدية ، والنصح لجميع الأمة ، والوفاء للّه على الحقيقة ، واتباع الرسول صلى اللّه عليه وسلّم في الشريعة « 2 » . قال الجنيد : التصوف حفظ الأوقات ، وهو ألا يطالع العبد غير حدّه ، ولا يوافق غير ربّه ، ولا يقارن غير وقته « 3 » . سئل الجنيد ما التصوف ؟ قال : لحوق السر بالحق ، ولا ينال ذلك إلا بفناء النفس عن الأسباب ؛ لقوة الروح والقيام مع الحق « 4 » . قال الجنيد : الصوفية هم أهل بيت واحد ، لا يدخل فيهم غيرهم « 5 » . قال الجنيد : إذا رأيت الصوفيّ يعنى بظاهره فاعلم أن باطنه خراب « 6 » . وقال الجنيد : لكل أمة صفوة ، وصفوة هذه الأمة الصوفية « 7 » . وقيل للجنيد مرة : ما بال أصحابك يأكلون كثيرا ؟ فقال : لأنهم يجوعون كثيرا . قيل له : فما بالهم لا تهمهم قوة شهوة ؟ فقال : لأنهم لم يذوقوا طعم الزنا ويأكلون الحلال . قيل له : فما بالهم إذا سمعوا القرآن لا يطربون ؟ قال : وأي شيء في القرآن يطرب في الدنيا ،

--> ( 1 ) انظر : الحلية ( 10 / 277 ) ، والرسالة ( 1 / 106 ) ، وطبقات الصوفية ( ص 158 ) ، وتاريخ بغداد ( 7 / 246 ) ، وطبقات الحنابلة ( 1 / 127 ) ، وطبقات الشافعية الكبرى ( 2 / 266 ) ، وذم الهوى لابن الجوزي ( ص 51 ) ، وروضة الحبور ( ص 119 ) . ( 2 ) انظر : التعرف للكلاباذي ( ص 35 ) . ( 3 ) انظر : التعرف للكلاباذي ( ص 109 ) . ( 4 ) انظر : التعرف ( ص 109 ) . ( 5 ) انظر : الرسالة ( 2 / 553 ) ، وطبقات الأولياء ( ص 127 ) . ( 6 ) انظر : الرسالة ( 2 / 553 ) . ( 7 ) انظر : طبقات الأولياء لابن الملقن ( ص 128 ) .