الشيخ أحمد فريد المزيدي
202
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
واحدا بعد واحد ، قتلتم الحلاج وأنتم تروون له كل يوم عبارة ، ولا تزدجرون ، وهذا الجنيد لا سبيل لكم إليه حتى تغلبوه بالحجة ، فاجمعوا له الفقهاء ، واعملوا له مجلسا ، فإن أنتم غلبتموه وشهد الناس بأنكم غالبون عليه قتلته ، وإن هو غلبكم واللّه لأمشين عليكم بالسيف حتى لا نبقي منكم أحدا على الأرض . قالوا : نعم ، فجمعوا له الفقهاء من الشام واليمن والعراق والأمصار ، فلما اجتمع الفقهاء في ذلك حتى لم يبق في الجوانب الأربع من يعرف مسألة في دينه إلا حضر ، فلما اجتمع الفقهاء في المجلس بعث الملك إليه ، فأتى هو وأصحابه إلى باب القصر ، فدخل الجنيد ، وترك أصحابه ، وأدّى حقّ الخليفة : يعني من التعظيم ، وقعد ، فقام إليه أحد الفقهاء يسأله في مسألة ، فسمعه القاضي علي بن أبي ثور ، فقال لهم : تسألون الجنيد ؟ فقالوا : نعم . فقال لهم : أفيكم من هو أفقه منه ؟ فقالوا : لا . فقال : يا عجبا ! هو أفقه منكم في علمكم ، وقد تفقّه في علم تنكرونه عليه : يعني ولا تعرفونه ، فكيف تسألون رجلا لا تدرون ما يقول ؟ ! فبهت القوم ، وسكتوا زمانا ، ثم قالوا : ما العلم يا قاضي المسلمين ؟ فأشر بما شئت ، فنصنع ، فأمرك مطاع . قال : فردّ القاضي وجهه إلى الأمير ، وقال له : اترك الجنيد ، واخرج إلى أصحابه ، صاحب سيفك وهو الوليد بن ربيعة ينادي فيهم : من يقوم إلى السيف ؟ فأول من يقوم إليه نسأله . فقال الملك : يرحمك اللّه ، لم ذلك ! تروع القوم ، ولم تظهر لكم حجة ، لا يحل لنا ذلك . فقال القاضي : يا أمير المؤمنين ، إن الصوفية يحبون الإيثار على أنفسهم حتى بأنفسهم ، فأذن من ينادي : أيكم يقوم للسيف ؟ فالرجل الذي يقوم مبادرا إلى السيف هو أكثر الناس جهلا وأكثرهم صدقا للّه عز وجلّ ، فيقوم يؤثر أصحابه بالعيش بعده ، فإذا قد نزلت مصيبة عظيمة لا ندري لمن تقع النجاة منها ، فإنه إن قتل الجنيد نوّلت داهية في الإسلام ، فإنه قطب الإيمان في عصرنا ، وإن قتل العلماء والفقهاء فهي مصيبة عظيمة . فقال له الأمير : للّه درك ؛ لقد أصبت ، ثم عطف على الوليد ، وقال : افعل ما يقول لك القاضي . فخرج الوليد وهو مقلّد سيفه ، فوقف على المريدين وهم مائتان وسبعون رجلا ، قعودا ناكسين رؤوسهم وهم يذكرون اللّه ، فنادى فيهم : أفيكم من يقوم إلى السيف ؟ فقام إليه رجل يقال له أبو الحسن النوري ،