الشيخ أحمد فريد المزيدي
191
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
الجنيد : ينبغي لك أن تذهب إلى السوق ؛ لأنك رجل أسواق ، لا رجل مساجد وصوامع « 1 » . وقال جعفر بن نصير : دفع إليّ الجنيد درهما ، وقال : اشتر لي به التين الوزيري . فاشتريته له ، فلما أفطر أخذ واحدة ، ووضعها في فمه ، ثم ألقاها وبكى ، وقال : احمله . فقلت له في ذلك ، فقال : هتف في قلبي : أما تستحي شهوة تركتها من أجلي ثم تعود إليها « 2 » . قال الجنيد : دخلت على السريّ يوما ، فقال لي : عصفور كان يجيء في كل يوم فأفتّ له الخبز ، فيأكل من يدي ، فنزل وقتا من الأوقات فلم يسقط على يدي ، فتذكرت في نفسي : ماذا يكون السبب ؟ فذكرت أني أكلت ملحا بأبزار : أي توابل ، فقلت في نفسي : لا آكل بعدها ، وأنا تائب منه ، فسقط على يدي وأكل « 3 » . قال الجنيد : سمعت السريّ السقطيّ يقول : إن نفسي تطالبني منذ ثلاثين سنة أو أربعين سنة أن أغمس جزرة في دبس فما أطعتها « 4 » . قال الجنيد : دخلت يوما على السريّ السقطيّ وهو يبكي ، فقلت له : ما يبكيك ؟ فقال : جاءتني البارحة الصبية ، فقالت : يا أبت ، هذه ليلة حارة ، وهذا الكوز أعلقه هاهنا ، ثم إني حملتني عيناي ، فنمت ، فرأيت جارية من أحسن الخلق قد نزلت من السماء ، فقلت : لمن أنت ؟ فقالت : لمن لا يشرب الماء المبرد في الكيزان ، فتناولت الكوز فضربت به الأرض ، فكسرته ، فرأيت الخزف لم يرفعه ولم يمسّه ، حتى عفا عليه التراب « 5 » . قال جعفر الخلدي : سمعت الجنيد يقول : ما نزعت ثوبي للفراش منذ أربعين سنة « 6 » .
--> ( 1 ) انظر : كشف المحجوب للهجويري ( ص 589 ) . ( 2 ) انظر : الرسالة ( 1 / 354 ) ، والإحياء ( 3 / 94 ) ، وروضة الحبور ( ص 111 ) ، والمعزى ، كلاهما بتحقيقنا . ( 3 ) انظر : الرسالة ( 2 / 679 ) . ( 4 ) انظر : الرسالة ( 1 / 352 ) ، والسير للذهبي ( 12 / 186 ) . ( 5 ) انظر : التعرف ( ص 184 ) ، والرسالة ( 1 / 67 ) ، وبغية الطلب في تاريخ حلب ( 8 / 4820 ) ، ورواه البيهقي في الشعب ( 5736 ) . ( 6 ) انظر : تاريخ بغداد ( 7 / 243 ) ، وطبقات الشافعية للسبكي ( 2 / 261 ) .