الشيخ أحمد فريد المزيدي
189
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
باب الجوع وترك الشهوة يروى عن الجنيد أنه قال : مرّ بي يوما الحارث المحاسبي ، فرأيت فيه أثر الجوع ، فقلت : يا عم ، تدخل الدار وتتناول شيئا ؟ فقال : نعم . فدخلت الدار ، وطلبت شيئا أقدّمه إليه ، فكان في البيت شيء من طعام حمل إليّ من عرس قوم ، فقدّمته إليه ، فأخذ لقمة ، وأدارها في فمه مرات ، ثم إنه قام ، وألقاها في الدهليز ، ومرّ ، فلما رأيته بعد ذلك بأيام ، قلت له في ذلك ، فقال : إني كنت جائعا وأردت أن أسرّك بأكلي ، وأحفظ قلبك ، ولكن بيني وبين اللّه سبحانه علامة ألا يسوغني طعاما فيه شبهة ، فلم يمكني ابتلاعه . تفصل رواية طبقات الشافعية الكبرى وجه عدم التسويغ بقول المحاسبي : إنه إذا لم يكن الطعام مرضيا ارتفع إلى أنفي منه زفرة ، فلم تقبله نفسي ، فمن أين كان لك ذلك الطعام ؟ فقلت : إنه حمل إليّ من دار قريب لي من العرس ، ثم قلت : تدخل اليوم ؟ فقال : نعم . فقدّمت إليه كسرا يابسة كانت لنا ، فأكل ، وقال : إذا قدّمت إلى فقير شيئا فقدّم إليه مثل هذا « 1 » . عن الجنيد قدّس اللّه سرّه أنه قال : من النذالة أن يأكل الرجل بدينه « 2 » . وكان الجنيد قدّس اللّه سرّه يقول : يقوم أحدهم في صلاته ، فيجعل بينه وبين اللّه تعالى زنبيل طعام ، ويريد أن يجد حلاوة المناجاة ، أو يسمع فهم الخطاب « 3 » . قال الجنيد : جاءني بعض الصالحين يوم جمعة ، فقال لي : ابعث معي فقيرا ، يدخل عليّ سرورا ، ويأكل معي شيئا . فالتفت فإذا أنا بفقير شهدت فيه الفاقة ، فدعوته ، وقلت له : امض مع هذا الشيخ ، وأدخل عليه سرورا ، فمضى ، فلم ألبث أن جاءني الرجل ، فقال لي : يا أبا القاسم ، لم يأكل ذلك الرجل الفقير إلا لقمة ، وخرج ، فقلت : لعلك قلت كلمة جفاء عليه . فقال لي : لم أقل شيئا . فالتفت فإذا أنا بالفقير جالسا ، فقلت له : لم لم تتم عليه السرور ؟ فقال : يا سيدي ، خرجت من الكوفة وقدمت بغداد ، ولم آكل شيئا ،
--> ( 1 ) انظر : اللمع ( ص 407 ) ، والرسالة ( 1 / 73 ) ، وطبقات الشافعية للسبكي ( 2 / 276 ) . ( 2 ) انظر : اللمع للطوسي ( ص 244 ) . ( 3 ) انظر : الرسالة ( 1 / 219 ) ، وإحياء علوم الدين للغزالي ( 3 / 73 ) ، والقوت ( 2 / 358 ) وقال : ومثل البطن مثل المزهر ، وهو العود المجوف ذو الأوتار ، إنما حسن صوته لخفته ورقته ، ولأنه أجوف غير ممتلئ ، ولو كان ثقيلا جالسا ممتلئا لم يكن له صوت ، وكذلك الجوف إذا خلا من الامتلاء ، وكان أرق للقلب ، وأعذب للتلاوة ، وأدوم للقيام ، وأقل للمنام .