الشيخ أحمد فريد المزيدي

182

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

قال الجنيد : سمعت السريّ يقول : مارست كل شيء من أمر الزهد ، فنلت منه ما أريد إلا الزهد من الناس ؛ فإني لم أبلغه ، ولم أطقه « 1 » . قال الجنيد : إن أمكنك ألا تكون آلة بيتك إلا خزفا فافعل « 2 » . حكى لنا الجنيد فقال : اجتمع أربعة من الأبدال في جامع المنصور ليلة العيد ، فلما أسحروا قال أحدهم : أما أنا فقد نويت أن أصلي العيد في بيت المقدس ، وقال الآخر : أما أنا فقد نويت أن أصلي العيد بطرسوس ، وقال الثالث : أما أنا فقد نويت أن أصلي العيد بمكة ، وسكت الرابع ، وكان أعرفهم ، فقيل له : أنت أي شيء نويت ؟ فقال : أما أنا فقد نويت اليوم ترك الشهوات ، لا أصلي إلا في هذا المسجد الذي بتّ فيه . فقالوا : أنت أعلمنا ، فقعدوا عنده « 3 » . اختلف أهل العلم بين عبدين : الأول ترك الذنب ونفسه تنازعه إليه وهو يجاهدها ، والثاني ترك الذنب ولم تكن نفسه تطالبه ولا تنازعه ، ولم يكن في قلبه منه ثقل ولا مجاهدة ، أيّ هذين أفضل ؟ قال بعض العلماء : الذي سمحت نفسه بالبذل طوعا من غير إكراه ولا اعتراض أفضل ؛ لأن مقام هذا في سخاوة النفس والتحقق بالزهد أفضل من جميع أعمال الأول من الإكراه والمجاهدة ، ومن بذل ماله على ذلك ، ولأن الأول وإن غلب نفسه في هذه الكرة لا يأمن غلبتها في كرة ثانية أو ثالثة إذ ليس السخاء من مقامها ؛ لأنها كانت محمولة عليه ، وإلى هذا ذهب الجنيد قدّس اللّه سرّه « 4 » . قال الجنيد : ما رأيت أحدا عظّم الدنيا فقرّت عينه فيها أبدا ، إنما تقرّ فيها عين من حقّرها ، وأعرض عنها « 5 » . قال الجنيد : لا يصفو قلب لعمل الآخرة إلا إن تجرّد عن حبّ الدنيا « 6 » .

--> ( 1 ) انظر : الرسالة ( 1 / 298 ) . ( 2 ) انظر : الرسالة ( 1 / 106 ) . ( 3 ) انظر : القوت ( 1 / 547 ) . ( 4 ) انظر : القوت ( 1 / 372 ) . ( 5 ) انظر : طبقات الشعراني الكبرى ( 1 / 86 ) ، والكواكب الدرية ( 1 / 580 ) . ( 6 ) انظر : طبقات الشعراني الكبرى ( 1 / 85 ) ، والكواكب الدرية ( 1 / 576 ) .