الشيخ أحمد فريد المزيدي
169
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى [ الأعلى : 6 ] ؟ فأجابه مسرعا كأنه تقدّم له السؤال قبل ذلك بأوقات : لا تنسى العمل به . فقال ابن كيسان : لا يفضض اللّه فاك ، مثلك من يصدر عن رأيه « 1 » . كان العلامة ابن سريج المعروف بالشافعي الصغير يصحب الإمام الجنيد ويلازمه ، وقد استفاد منه أشياء في الفقه لم تخطر له ببال ، ويقال : إنه سأله مرة عن مسألة ؟ فأجابه بها بجوابات كثيرة ، فقال : يا أبا القاسم ، لم أكن أعرف فيها سوى ثلاثة أجوبة مما ذكرت ، فأعدها عليّ . فأعادها بجوابات أخرى كثيرة . فقال له ابن سريج : واللّه ما سمعت هذا قبل اليوم ، فأعده ، فأعادها بجوابات . فقال له : لم أسمع بمثل هذا ، فأمله عليّ حتى أكتبه ، وينطق به لساني ، وليس هذا مستفاد من كتب ولا من تعلم ، وإنما هذا من فضل اللّه عز وجلّ ، ويلهمنيه ويجريه على لساني « 2 » . القلوب قال الجنيد قدّس اللّه سرّه : القلوب المحفوظة لا يعرّضها وليها لمجانبة محادثة غيره ، ضنّا منه بها ، ونظرا منه لها ، وإبقاء عليها ؛ ليخلص لهم ما أصفاهم به ، وما جمعهم له ، وما عاد به عليهم « 3 » . قال الجنيد : أحتاج إلى الجماع كما أحتاج القوت ، فالزوجة على التحقيق قوت ، وسبب لطهارة القلوب « 4 » . قال الجنيد : التوكل عمل القلب ، والتوحيد قول القلب « 5 » . قال أبو عمرو بن علوان : كان شابّ يصحب الجنيد قدّس اللّه سرّه وكان له قلب فطن ، وربما يتكلم بخواطر الناس ، وما يعتقدون في سرائرهم ، فقيل للجنيد ذلك ، فدعاه ، وقال : إيش هذا الذي يبلغني عنك ؟ فقال الشاب : اعتقدت كذا وكذا ، فقال الجنيد قدّس اللّه سرّه : لا . فقال : اعتقد مرة أخرى . فقال الجنيد : اعتقدت . فقال الشاب : هو كذا وكذا . فقال الجنيد : لا . قال : فاعتقد ثالثا . فقال الجنيد : اعتقدت . فقال الشاب : هو كذا
--> ( 1 ) انظر : روح المعاني ( 20 / 19 ) . ( 2 ) انظر : البداية لابن كثير ( 11 / 114 ) . ( 3 ) انظر : اللمع ( ص 440 ) . ( 4 ) انظر : الإحياء ( 2 / 29 ) ، والكواكب ( 1 / 581 ) . ( 5 ) انظر : الرسائل ( 1 / 42 ) ، ومجموع رسائل ابن تيمية ( 12 / 405 ) .