الشيخ أحمد فريد المزيدي

156

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

العبارة عنه بأكثر من موجود ؛ لقوله : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [ الإسراء : 85 ] « 1 » .

--> ( 1 ) انظر : التعرف ( ص 83 ) ، والقوت ( 1 / 542 ) ، والإحياء ( 4 / 239 ) ، وجلاء القلوب ( 1 / 174 ) . وقال الحافظ ابن حجر معقّبا : وعلى ذلك جرى ابن عطية وجمع من أهل التفسير ، وأجاب من خاض في ذلك : بأن اليهود سألوا عنها سؤال تعجيز وتغليط ؛ لكونه يطلق على أشياء ، فأضمروا أنه بأي شيء أجاب ، قالوا : ليس هذا المراد فردّ اللّه كيدهم وأجابهم جوابا مجملا مطابقا لسؤالهم المجمل . وقال السهروردي في « العوارف » : يجوز أن يكون من خاض فيها سلك سبيل التأويل لا التفسير ؛ إذ لا يسوغ التفسير إلا نقلا ، وأما التأويل فتمتد العقول إليه بالباع الطويل ، وهو ذكر ما لا يحتمل إلا به قطع بأنه المراد ، فمن ثم يكون القول فيه قال ، وظاهر الآية المنع من القول فيها ؛ لختم الآية بقوله : وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [ الإسراء : 85 ] ، أخبرني : اجعلوا حكم الروح من الكثير الذي لم تؤتوه ، فلا تسألوا عنه ؛ فإنه من الأسرار . وقيل : المراد بقوله : ( أمر ربّي ) كون الروح من عالم الأمر الذي هو عالم الملكوت ، لا عالم الخلق الذي هو عالم الغيب والشهادة ، وقد خالف الجنيد ومن تبعه من الأئمة جماعة من متأخري الصوفية ، فأكثروا من القول في الروح ، وصرّح بعضهم بمعرفة حقيقتها ، وعاب من أمسك عنها . ونقل ابن منده في كتاب « الروح » له عن محمد بن نصر المروزي الإمام المطلع على اختلاف الأحكام من عهد الصحابة إلى عهد فقهاء الأمصار أنه نقل الإجماع على أن الروح مخلوقة ، وإنما ينقل القول بقدمها عن بعض غلاة الرافضة والمتصوفة ، واختلف هل تفنى ثم فناء العالم قبل البعث أو تستمر باقية على قولين ، واللّه أعلم ، ووقع في بعض التفاسير أن الحكمة في سؤال اليهود عن الروح أن عندهم في التوراة أن روح بني آدم لا يعلمها إلا اللّه ، فقالوا : نسأله ، فإن فسرها فهو نبيّ ، وهو معنى قولهم : ( لا يجيء بشيء تكرهونه ) . وروى الطبري من طريق مغيرة عن إبراهيم في هذه القصة فنزلت الآية ، فقالوا : هكذا نجده عندنا ورجاله ثقات إلا أنه سقط من الإسناد علقمة . . . . وفي الحديث مما سبق جواز سؤال العالم في حال قيامه ومشيه إذا كان لا يثقل ذلك عليه وأدب الصحابة مع النبي صلى اللّه عليه وسلّم والعمل بما يغلب على الظن والتوقف عن الجواب بالاجتهاد لمن يتوقع النص وأن بعض المعلومات قد استأثر اللّه بعلمه حقيقة ، وأن الأمر يرد لغير الطلب . واعلم أن الروح لم يقف أحد لها على حقيقة ماهية ومعرفة كيفية حتى قال الجنيد قدّس اللّه سرّه : الروح شيء استأثر اللّه بعلمه ، ولم يطلع عليه أحدا من خلقه ، فلا يجوز لعباده البحث عنه بأكثر من أنه موجود . وقاله بعضهم ، وعلى هذا ابن عباس وأكثر السلف ، وقد ثبت عن ابن عباس أنه كان لا يفسر الروح . وانظر : فتح الباري ( 8 / 403 ) ، وأقاويل الثقات ( ص 191 ) .