الشيخ أحمد فريد المزيدي

130

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

قال الجنيد : يتصل به من أوصله بقدر ما خصّ به ، وإلا فليس بينه تعالى وبينهم : أي البشر سبب ولا نسب ولا وصل « 1 » . وصول : اعلم يا أخي أن الوصول إذا ما سألت عنه مفاوز مهلكة ومناهل متلفة لا تسلك إلا بدليل ، ولا تقطع إلا بدوام ورحيل ، وأنا واصف لك منها مفازة واحدة ، فافهم ما أنعته لك منها ، وقف عندما أشير لك فيها ، واستمع لما أقول ، وافهم ما أصف : اعلم أن بين يديك مفازة إن كنت ممن أريد بشيء منها واستودعك اللّه من ذلك وأسأله أن يجعل عليك واقية باقية ؛ فإن الخطر في سلوكها عظيم ، والأمر المشاهد في الممر بها جسيم ، فإن من أوائلها أن يوغل بك في برزخ لا أمد له إيغالا ، ويدخل بك بالهجوم فيه إدخالا ، وترسل في جويهنته إرسالا ، ثم تتخلى منك لك ، ويتخلى منك له ، فمن أنت حينئذ ، وماذا يراد بك ، وماذا يراد منك ؟ وأنت حينئذ في محل أمنه روع ، وأنسه وحشة ، وضياؤه ظلمة ، ورفاهيته شدة ، وشهادته غيبة ، وحياته ميتة ، لا درك فيه لطالب ، ولا مهمة فيه لسارب ، ولا نجاة فيه لهارب ، وأوائل ملاقاته اصطلام ، وفواتح بدائعه احتكام ، وعواطف ممره احترام ، فإن غمرتك غوامره انتسفتك بوادره ، وذهب بك في الارتماس ، وأغرقتك بكثيف الانطماس ، فذهبت سفالا في الانغماس إلى غير درك نهاية ولا مستقر لغاية ، فمن المستنقذ لك مما هنالك ، ومن المستخرج لك من تلك المهالك ؟ وأنت في فرط الإياس من كلّ فرج ، مشوه بك في إغراق لجة اللجج ؟ فاحذر ، ثم احذر ؛ فكم من متعرض اختطف ومتكلف انتسف ، وأتلف بالغرّة نفسه ، وأوقع بالسرعة حتفه ، جعلنا اللّه وإيّاك من الناجين ، ولا حرمنا وإيّاك ما خصّ به العارفين . واعلم يا أخي أنّ الذي وصفته لك من هذه المفاوز وعرّضت ببعض نعته إشارة إلى علم لم أصفه ، وكشف العلم بها يبعد ، والكائن بها يفقد ، فخذ في نعت ما تعرفه من الأحوال ، وما يبلغه النعت والسؤال ، ويوجد في المقاربين والأشكال ، فإن ذلك أقرب بظفرك لظفرك ، وأبعد من حظّك لحظّك ، واحذر من مصادمات ملاقاة الأبطال ، والهجوم على حين وقت النّزال ، والتعرّض لأماكن أهل الكمال ، قبل أن تمات من حياتك ، ثم

--> ( 1 ) انظر : مشرب الأرواح ( ص 137 ) .