الجنيد البغدادي

81

رسائل الجنيد

الباب العاشر في حكايات القاصدين إلى اللّه تعالى وقصصهم قال إمام الأئمة وشيخ الشيوخ أبو القاسم الجنيد البغدادي قدس اللّه سره العزيز : اعلموا معاشر القاصدين إلى اللّه تعالى أن للّه سبحانه وتعالى عبادا قصدوا إليه بالكلية ، وأودعهم اللّه سبحانه وتعالى ودائع سره ، وعملوا له على محبته ، فكان لهم المولى وليا مواليا ، ودامت لهم المؤانسة وأعطاهم السكينة مع اللّه عز وجل ، وتجردوا عما دونه فرفع الحجب عنهم ، فلذلك لا تزن الدارين بكل ما فيها في جنب معرفتهم ووجدانهم لذائذ أنسهم وزن خردلة ، انظر ما حكى عن إبراهيم نبي اللّه عليه السلام حين خرج من الكوفة قاصدا إلى اللّه تعالى فقيل له : إلى أين تذهب ؟ فقال : إني ذاهب إلى ربي . فقالوا له : وكيف تذهب إلى ربك ، وأنت لا تعرف الطريق ؟ فقال : سيهدني ربي ، فقالوا : حرقوه وانصروا آلهتكم ، فقال إبراهيم صلوات اللّه وسلامه عليه : وحرّ ناري أشد من حر ناركم ، حسبي اللّه ونعم الوكيل ، نعم المولى ونعم النصير . وحكي عن إبراهيم بن أدهم رضي اللّه عنه كان يقول في مناجاته : إلهي إنك تعلم أن الجنة وما دونها لا تزن عندي جناح بعوضة بعد ما وهبت لي معرفتك ، وآنستني بك ، وفرغتني بالتفكر لعظمتك وجعلتني في جوارك بالنظر إلى وجهك الكريم . وحكي أن ذا النون المصري قال : لو أن اللّه سبحانه وتعالى أبدى من طيران سر العرف ذرة عند قصده إليه لاحترق من العرش إلى الثرى ، لأنه ليس شيء في الدارين أعلى ولا أعظم من طيران سر العارف نحو معروفه ومقصوده . وحكي في بعض الأخبار أن اللّه سبحانه وتعالى أوحى إلى إبراهيم الخليل صلوات اللّه وسلامه عليه حين اتخذه خليلا : أن يا إبراهيم إنك لي خليل وأنا لك خليل فانظر أن لا يشتغل قلبك بغيري فتقطع خلتك مني وخلتي منك لأن القاصد المصدق بخلتي لو احترق بالنار لم يتحول قلبه عني إلى غيري إجلالا لحرمتي ، وذكر اللّه سبحانه وتعالى لنا وصف ذلك في كتابه العزيز ، بقوله تعالى : إِذْ قالَ لَهُ