الجنيد البغدادي

77

رسائل الجنيد

علي كن لي يا عزيزي جارا من جميع المستجيرين وجليسا عن جميع المخلوقين ، ثم هاج من سري شيء من عطش نار الاشتياق حتى أن الملائكة مع هذه الأشجار صارت كالبعوضة في جنب همتي ، وكلهم ينظرون إلي متعجبين مدهوشين من عظم ما يرون مني ، ثم لم يزل يعرض علي من الملك ما تكل الألسن عن نعته ، وفي كل ذلك علمت أنه بها يجربني ، فلم ألتفت إلى شيء منها إجلالا لحرمة ربي ، وكنت أقول يا عزيزي مرادي غير ما تعرض علي ، فلما علم اللّه تعالى مني صدق الإرادة في القصد إليه ، وتجريدي عما سواه فإذا أنا بملك قد مد يده فجذبني ، ثم رأيت كأني عرجت إلى السماء الثالثة فجاءني جميع الملائكة الذين هم بها وسلموا علي ، فإذا ملك منهم له أربعة أوجه يلي إلي وهو يبكي دموعه لا تسكن أصلا ، ووجه على الأرض ينادي يا عباد اللّه اعملوا يوم الفراغ ليوم الأخذ والحساب ووجه يلي يمينه يكلم الملائكة بلسانه ، ووجه يلي يساره قد سعت جنوده في أقطار السماوات يسبحون اللّه تعالى فيها فسلمت عليه فرد علي السلام ، ثم قال : من أنت إذ فضلت علينا ؟ فقلت : عبد قد من اللّه عليه من فضله ، فقال لي : تريد أن تنظر إلى عجائب اللّه ، قلت : بلى . فنشر جناحا من أجنحته فإذا على كل ريشة من ريشه قنديل أظلم ضياء الشمس من ضوءها ، ثم قال : تعال يا أبا يزيد واستظل في ظل جناحي تسبح اللّه تعالى وتقدسه وتهلله إلى الموت ، فقلت له : اللّه قادر على أن يغنيني عنك ، ثم هاج من سري نور من ضياء معرفتي أظلم ضوء تلك القناديل من ضوئي فصار الملك كالبعوضة في جنب كمالي ، ثم لم يزل جل جلاله وعز كبرياؤه يعرض علي من الملك ما تكل الألسن من نعته وصفته ، ففي كل ذلك علمت أنه بها يجربني ، فلم ألتفت إلى ذلك إجلالا لحرمته ، فكنت في كل ذلك أقول يا عزيزي ، مرادي غير ما تعرض علي ، فلما علم اللّه تعالى مني صدق الإرادة في القصد إليه ، فإذا أنا بملك مد يده فرفعني ثم رأيت كأني عرجت إلى السماء الرابعة فجاءوا بي جميع الملائكة بصفاتهم وهيأتهم ونعوتهم ، فسلموا علي وناظرين إلى كما ينظر أهل البلد إلى أميرهم في وقت دخوله إليهم ، يرفعون أصواتهم بالتسبيح والتهليل ، لعظم ما يرون من انقطاعي إليه وقلة التفاتي إليهم فاستقبلني ملك يقال له ينائيل فمد يده وأقعدني على كرسي له موضوع على شط بحر عجاج لا ترى أوله ولا آخره فألهمت تسبيحه وأنطقت بلسانه ولم ألتفت إليه