الجنيد البغدادي

75

رسائل الجنيد

الباب التاسع في رؤيا أبى يزيد « 1 » في القصد إلى اللّه تعالى وبيان قصته « 2 » قال شرف الإسلام العارف باللّه تعالى شرف الدين أبو القاسم الجنيد قدس اللّه سره وأعاد علينا من بركاته والمسلمين : واعلموا معاشر القاصدين إلى اللّه سبحانه وتعالى أن لأبي يزيد حالات ومقامات لا يحتملها قلوب أهل الغفلة وعامة الناس ، وله مع اللّه أسرار لو أطلع عليها أهل المعرفة فيها ، وإني نظرت في مناقب أبي يزيد ، فإذا فيه أشياء من حالاته وأوقاته وكلامه ما كلت به الألسن عن نعته وصفته ، فكل من أراد أن يعرف كماله ومنزلته فلينظر إلى نومه ورؤياه التي هي أصح في المعنى وأقرب إلى التحقيق من غيره .

--> ( 1 ) سلطان العارفين أبو يزيد الأكبر طيفور بن عيسى ( 188 - 261 ه ) من بسطام خراسان ، لم تؤثر عنه كتابات في التصوف ولكن أقواله رصدها أصحابه ومحبوه وخصومه على السواء ، وهي تشكل مذهبا في التصوف قالوا فيه إنه الطيفورية ، وهو مذهب في المحبة والفناء الصوفي . وعرف بأنه من أصحاب الشطح مثل " سبحاني سبحاني ما أعظم شاني " انظر : الموسوعة الصوفية للدكتور عبد المنعم الحفني ، دار الرشاد ، ص : 51 . ( 2 ) وقفت على هذه الرؤية متأملا ما جاء فيها على لسان خادم الشيخ أبى يزيد البسطامي والرؤية المنامية على سبيل المحاكاة لحادث المعراج للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، ومع تقديرنا لرحلة الصوفي في العروج إلى الأنوار الإلهية إلا أن القصة بكل ما بها من ملابسات تجعلنا نتوقف عندها أو لا لأنها محاكاة لحادث الإسراء والمعراج ، ثانيا ما بها من عبارات لا تليق بالحديث مع الذات العلية مثل " يا عزيزي مرادي غير ما تعرض علي " . ثالثا : تسمية الملائكة بأسماء لم يرد بها نص في القرآن أو السنة . رابعا : تصوير الملائكة بأشكال توحي بالجسمية وهذا مخالف للقرآن والسنة . خامسا : عندما يقول " استقبلني روح كل نبي وسلموا علي وعظموني وكلموني وكلمتهم " من الذي يعظم من ؟ النبي هو الذي يعظم الولي أو الصوفي حتى ولو كانت رؤيا منامية ! ! وما دعاني إلى نقد هذه الرؤية المنامية ، وإن كان القصد منها الترغيب في القصد إلى اللّه ، تعليق إمامنا الجنيد عليها بقوله " عرضت هذه الرؤية على أجلاء أهل المعرفة باللّه فكلهم يصدقونها ولا ينكرونها « وكنت أنتظر من شيخ الطريقة وإمام الحقيقة أن يقدم لنا نقدا وتفنيدا لهذه الرؤية التي حكيت عن طريق خادم الشيخ وليس من الشيخ نفسه ! ورحم اللّه علماؤنا الأوائل الذين وضعوا القواعد الضابطة والمنهجية الصارمة من علوم الحديث وصدق روايته ، وما أحرانا أن نتحرى الحقيقة في المرويات والحكايات في تراثنا الصوفي الملئ بالدرر والكنوز كما أنه بحاجة أيضا إلى الغربلة والتصفية مما علق به من مرويات لا يقبلها العقل والنقل .