الجنيد البغدادي
72
رسائل الجنيد
الباب الثامن في نعت القاصدين إلى اللّه تعالى وصفتهم وعلامتهم وأعلامهم ، وما فيه من أشياء يكل الوصف دونها ولكنا نأتي ببعضها قال المؤلف شيخ الشيوخ العارف باللّه تعالى أبو القاسم الجنيد قدّس اللّه سره العزيز : اعلموا معاشر القاصدين إلى اللّه تعالى أن العبد كلما قصد إلى اللّه تعالى ومواصلته وقربه فأول ما يجب عليه أن ينطلق بالسير على مركب المنطلقين إليه ، ويبرز إلى محبوبه ويرتحل عن الكلية إليه بترك إرادة حظه من الدارين ، ثم إرادة ترك حظه من اللّه تعالى ثم من رؤيته الترك ، حتى لم يبق له حظ في الكونين ، وبقي المكون كما كان في الأزل جل جلاله وتقدست أسماؤه وصار هذا العبد تحت سلطان بقائه كما كان في الأزل ، حيث لم تكن المكونات ، فعند ذلك يطوف العبد بالسر حول منتهى عزه ، ويجول بالفؤاد في سرادقات قدسه ، مدهوشا تحت كمال قدرته ، مستمسكا بقوة عصمته ، مستقيما على وفاء أمره ونهيه ، مكتفيا من غيره ، مستسلما لحكمته وتقديره ، منفردا بأنسه وصحبته ، متلذذا بذكره ومناجاته ، وقد نزع من قلبه ثوب النسيان ، وغسله بماء الصفوة من غبار الحسبان ، ثم يتزين بزي الافتقار ويرتدى بأردية الاضطرار ، ويحرم عن جميع التعاليق والاختيار ، ويلبي بتلبية الافتخار ، ويصعد على عرفات الاعتذار ، ويطوف بقدمي الصدق والصفا حول القرب من الملك الجبار ، فمثل هذا العبد وقصده إلى اللّه تعالى كمثل الحجاج حين قصدوا إلى زيارة بيت اللّه الحرام حين خرجوا من أوطانهم ، وتركوا أهاليهم ، وودعوا أقربائهم ورفقائهم ، فترى أبدانهم منهوكة وقلوبهم طائرة وأبصارهم طامحة نحو الكعبة فمرة ينظرون إلى أنين الأهل والولدان ، ومرة يتولون عنهم اشتياقا إلى بيت اللّه الحرام ، وترى الأحبة والأخوان والأهل والولدان يمشون على آثرهم ، وينظرون خلفهم بأعين باكية ، فهذا صفة حجاج بيت اللّه الحرام وخروجهم من المساكن والأوطان وانقطاعهم عن الأهل والولدان . فلو رأيتم معاشر الإخوان حجاج أهل المعرفة حين قصدوا إلى اللّه تعالى وخرجوا