الجنيد البغدادي

68

رسائل الجنيد

الباب السابع في مشاورة النفس والروح والقلب في أمور القصد إلى اللّه تعالى قال شيخ الإسلام الأستاذ المربى المجمع على جلالته شرف الدين أبو القاسم الجنيد شيخ مشايخ أهل الحقيقة والطريقة رضى اللّه عنه وعنهم ونفعنا به ولهم في الدارين : اعلموا معاشر القاصدين إلى اللّه تعالى أنى لما هممت بالقصد إلى اللّه تعالى ، ونويت الإقبال إليه والأنس به إلى الأبد من غير أن ألتفت منه إلى ما سواه ، ففكرت في هذه الأمور فإذا هي أعظم الأمور قدرا وأكملها شوقا وأعلاها منزلة ، وما رأيت وراء هذه الأمور أمرا ، ولا فوق هذه الدرجة درجة ، ولا دون هذه المراتب مرتبة ، ثم إني فكرت في ما ينبغي لي أن أفعله من التهيؤ حتى أكون إلى الوصلة من المقصود أهلا ، فإذا هو في صدق الانفراد به وترك حظ النفس من الدنيا ، ثم من العقبى ، ثم من المولى حتى أكون للفرد فردا بلا علاقة بدون اللّه عز وجل ، ثم إن الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مع عقله الكامل وعلمه الراسخ وزهده الوافر وفطنته الزاهرة كان يحتاج إلى المشاورة في جميع أموره دينا ودنيا « 1 » فكيف أنا ؟ الأولى بي أن أستشير في أمري هذا من يساعدني فيه إذ لا أجد من يساعدني فيه ، فقلت : ما أعظم هذا الأمر وما أعزه وأجله ، وعلمت أن المقصود والمطلوب كلما عظم قل فيه المساعد وقل ما يكون أهلا له ، ثم إني أجلست النفس والهوى مع جميع أعوانهما عن يساري ، وأجلست الروح والعقل عن يميني مع جميع أعوانها وأجلست القلب مع جميع أعوانه بين يدي ، ثم قلت لهم ما تقولون في اللّه عز وجل ؟ فقالوا بأجمعهم : ربنا ورب كل شيء ومليكه ليس دونه آخر يلجأ إليه ولا سواه ملك يرتجى منه ولا غيره إله يخشى منه ، أنيس المقربين وسرور المحبين وقرة

--> ( 1 ) يبدو أن حرارة الفكرة دفعت الجنيد إلى القول بأن الرسول كان يحتاج إلى المشاورة في جميع أموره دينا ودنيا ، ففي أمر الدين كان النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم المشرع الأول عن ربه جل وعلا ، وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ( 3 ) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [ النجم : الآيتان 3 ، 4 ] . وإن الرسول كان يستشير الصحابة في بعض الأمور مثل أسرى بدر ليعلمهم حق المشورة بين الصحابة ، لكنه لم يكن يستشير في كل أموره دينا ، أما ما يخص ميدان الدنيا فقد تركها النبي للاجتهاد والمشاورة فعلا ، وقولته المعروفة : " أنتم أعلم بشؤون دنياكم " تؤكد ذلك ، ومن هنا رأينا ضرورة التنويه لهذه العبارة .