الجنيد البغدادي

66

رسائل الجنيد

الفكر على متابعة صدق الإرادات من غير أن يغفل عن هيبة اطلاع ربه عليه ، ودوام مراقبته طرفة عين وأن يراعى قلبه في مراعى حجب الغيوب على متابعة القرب من اللّه تعالى والأنس به بنور المعرفة من غير أن يلتفت منه إلى غيره طرفة عين . ثم ينبغي له ثانيا أن يكون بالنفس مبعدا عن كل ما يشغله عن خدمة مولاه ، وأن يكون بالروح مبعدا عن كل ما يشغله عن ذكر مولاه ، وأن يكون بالقلب مبعدا عن كل ما يشغله عن أنس مولاه . ثم ينبغي له ثالثا أن يكون بالنفس أليف الخشية والأحزان ، وبالروح أليف الطاعة والإحسان ، وبالقلب أليف الأنس بالملك الديان . ثم ينبغي رابعا أن يكون بالنفس وافيا ، وبالروح ذكيا وبالقلب صافيا . ثم ينبغي له خامسا أن يكون نفسه وحشيا وروحه نعشي وقلبه عرشي . ثم ينبغي له سادسا أن يكون بالنفس متشمرا على باب الاصطبار ، بدوام الأذكار تحت كمال الانزجار ، وأن يكون بالقلب مستبشرا على باب الافتخار بدوام الانتظار نحو لقاء اللّه الملك الجبار ، مع ثبات النفس فيما يرد عليها من أنامل العقود ، ورزانة الروح تحت ما يرد عليه من شواهد الحق . ثم ينبغي سابعا أن يروض نفسه بسياط الجوع والأحزان لتنقاد له تحت أثقال الطاعة والإحسان بلا فترة ولا طغيان ، وأن يروض روحه بسياط خوف الحرمان والخذلان لتنقاد له تحت ذكر رؤية الامتنان بلا غفلة ولا نسيان ، وأن يروض قلبه بسياط ذكر القطع والهجران ، لينقاد له تحت اطلاع الرحمن بلا علاقة ولا حسبان ، حتى لا تلحق إلى نفسه سهام الاغترار ولا إلى روحه آفات خفيات الاخمار ، ولا إلى قلبه غبار الالتفات عن المولى إلى المواهب والأنوار . ثم ينبغي له ثامنا أن يكون بالنفس مستقيما على وفاء صدق العبودية في طريق الحياء والخدمة على سبيل الفراغ من شغلها مع تفويض الأمور إلى اللّه تعالى وأن يكون بالروح مستقيما على صدق الطمأنينة في طريق الصدق والصفوة على سبيل التجريد بالكلية مع ترك الاختيار والتفويض إليه تعالى ، وأن يكون بالقلب مستقيما على بساط الحضرة على سبيل المجاهدة بالسر مع ترك الالتفات منه إلى ما سواه .