الجنيد البغدادي
64
رسائل الجنيد
الباب السادس فيما ينبغي للقاصدين من رعاية النفس والروح والقلب قال شيخنا إمام الملة الشيخ الكامل أستاذ الأكابر شرف الدين أبو القاسم محمد الجنيد رضي اللّه عنه : اعلموا معاشر القاصدين إلى اللّه تعالى أن هذه النفس شهوانية خسيسة لئيمة سيرانها في ملكوت الفناء ، والروح روحاني قدساني نوراني سريانه في ملكوت البقاء ، والقلب رباني فرداني صمداني سريانه في ملكوت الحضرة واللقاء ، فالنفس مريدة الدنيا وجميع ميلها إليها وأكثر همتها وإرادتها في طلبها ، والروح مريدة الآخرة والجنة وحورها وقصورها ، وأكثر همته وإرادته وميله إلى طلبها ، والقلب مريد المولى ، وجميع ميله إلى قربه وأكثر همته إلى وصله ، فأما سبيل النفس إلى مرادها الحرص والرغبة ، وأما سبيل الروح إلى مراده الوفاء والحرمة ، وأما سبيل القلب إلى مراده فالشوق والمحبة . والنفس كلما وجدت السبيل إلى مرادها بالغلبة اضطرت الروح فيها بطلب الدنيا ، وإذا أصابت منيتها صار الروح فيها منغطا ومظلما ، من حيث وجدت النفس منيتها قنعت بخساسة همتها ، واطمئن القلب معها بطلب شهواتها فعند ذلك تصير همة هذا العبد شهوانية ، ويصير لها بالكلية أسيرا مغلوبا ، والروح كلما وجد السبيل إلى مراده بالغلبة اضطرت النفس فيها بطلب العقبى ، وإذا أصاب الروح منيته صارت النفس مغطاة بنور صفوته ومعالي همته ، واطمئن القلب معه بطلب النجاة من حيث رهبته ، فحينئذ تصير همة هذا العبد روحانية ، وصار للّه تعالى عبدا مطيعا . والقلب كلما وجد السبيل إلى مراده بالغلبة اضطرت النفس والروح فيه بطلب المولى عز وجل ، وإذا صار القلب منيبا صارت النفس مغطاة بنور قربه من اللّه تعالى ، واطمئن الروح معه بطلب المولى على صدق وفاء العبودية بصدق انفراده بالفرد للفرد ، فعند ذلك تصير همة هذا العبد ربانية ، ويصير للّه تعالى بالكلية عبدا واصلا وصفيا مقربا ، لأنه قد برز إلى محبوب ، وارتحل عن الكلية إليه فيطير بالنفس من طاعته إلى طاعته ، ويطير بالروح من ذكره إلى ذكره ، ويطير بالقلب منه إليه ، فصارت نفسه مقيدة بقيد الزهد والتقوى ، وصار روحه مقيدا بقيد