الجنيد البغدادي

43

رسائل الجنيد

الباب الأول في القصد إلى اللّه تعالى وما يستقبله من العقبات « 1 » قال شيخ الطريقين وإمام الفريقين أهل الحقيقة والطريقة العارف باللّه تعالى المجمع على تقديمه على الأكابر أبو القاسم الجنيد رضى اللّه عنه : اعلموا معاشر القاصدين إلى اللّه تعالى أن العبد إذا قصد إلى اللّه وإلى مواصلته بطيران السر وصفاء النية ، على أن يقيم معه إلى الأبد استقبله ألف عقبة ، كل عقبة أكود وأطول ألف مرة من العرش إلى الثرى ، ولا تزال هذه العقبات تستقبله عقبة بعد عقبة وهو يجوزها واحدة بعد واحدة إلى أن يصل إلى مقصوده ومحبوبه . فأول العقبات التي تستقبله هي عقبة الدنيا بكل ما فيها من زهرتها وطيب عيشها والتمتع بأنواع نعيمها وراحتها ، فتقول له أين تذهب يا عبد اللّه أنا مسكنك ومأواك خلقت مني ، وولدت في ، وعشت بي ، لا بد لك مني « 2 » فإذا نظر العبد إلى غوامض آفاتها ، وكمال سحرها وأنواع مكرها وغرورها وكثرة شرها وبلائها وسرعة فنائها وتقلبها بأهلها ، ويرى نفسه مائلا إلى راحتها وشهواتها وحسن المعاشرة مع أهلها اعتصم بعون اللّه ، ولم يلتفت إليها ، وزهد فيها ، ولم يشتغل بها ، ويقول لها : يا مأوى كل بلاء يا غدارة يا عدوة اللّه ، كم رأيت من غدرك . وقوله هذا وفعله حرمة لإجلال ربه ، فإن الآفات كلها راجعة إلى حب الدنيا . ويقول : يا نفس أمّا هذه الدنيا فانية ، والذي لا بد لي منه هو مقسوم لي بقسمة اللّه لا يزيد ولا ينقص ، وهو القادر على أن يغنيني عنك . فلما جاوز هذه العقبة وقطع عن قلبه حبال التعاليق ، وصفا سره من غبار التخاليط صار منفردا للقصد إلى ربه تعالى ، وتخلص من هذه العقبة ، واستقام له ؟ ؟ ؟

--> ( 1 ) ورد في هامش المخطوط : قال عليه السلام : من جعل همومه هما واحدا كفاه اللّه في الدنيا والآخرة . ( 2 ) ورد في هامش المخطوط : قال عيسى : مثل الدنيا مثل شارب ماء البحر ، كلما ازداد شربا ؟ ؟ ؟ حتى يقتله ، واعلم أن من اطمأن إلى الدنيا وهو يتيقن أنه راحل عنها فهو في غاية الحماقة .