الجنيد البغدادي
235
رسائل الجنيد
العلم أخبرنا جعفر بن محمد فيما كتب إلى وحدثني عنه عثمان بن محمد قال سئل الجنيد أيما أتم استغراق العلم في الوجود أو استغراق الوجود في العلم قال استغراق العلم في الوجود ليس العالمون باللّه كالواجدين له قال وسأله الحريري عن قول عيسى عليه السلام تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك قال هو واللّه ألم تعلم ما أنا لك عليه ومالك عندي ولا أعلم ما لي عندك إلا ما أخبرتني به وأطلعتني عليه فهذا معناه ( حلية الأولياء ، ج : 10 ، ص : 275 ) حدثنا محمد بن أحمد بن هارون قال سمعت أبا زرعة الطبري يقول سمعت الحسين بن يسن يقول سمعت الجنيد يقول الأقوات ثلاثة فقوت بالطعام وهو مولد للأعراض وقوت بالذكر فهذا يشممهم الصفات وقوت برؤية المذكور وهو الذي يفنى ويبيد قال ثم أنشد يقول : إذا كنت قوت النفس ثم هجرتها * فلم تلبث النفس التي أنت قوتها ( حلية الأولياء ، ج : 10 ، ص : 275 ، 276 ) . سمعت أبي يقول سمعت أحمد بن جعفر بن هانئ يقول سألت أبا القاسم الجنيد بن محمد قلت متى يكون الرجل موصوفا بالعقل قال إذا كان للأمور مميزا ولها متصفحا وعما يوجبه عليه العقل باحثا يبحث يلتمس بذلك طلب الذي هو به أولى ليعمل به ويؤثره على ما سواه فإذا كان كذلك فمن صفته ركوب الفضل في كل أحواله بعد إحكام العمل بما قد فرض عليه وليس من صفة العقلاء إغفال النظر لما هو أحق وأولى ولا من صفتهم الرضا بالنقص والتقصير فمن كانت هذه صفته بعد إحكامه لما يجب عليه من عمله ترك التشاغل بما يزول وترك العمل بما يفنى وينقضي وذلك صفة كل ما حوت عليه الدنيا وكذلك لا يرضى أن يشغل نفسه بقليل زائل ويسير حائل يصده التشاغل به والعمل له عن أمور الآخرة التي يدوم نعيمها ونفعها ويتصل بقاؤها وذلك أن الذي يدوم نفعه ويبقى على العامل له حظه وما سوى ذلك زائل متروك مفارق موروث يخاف مع تركه سوء العاقبة فيه ومحاسبة اللّه عليه كذلك صفة العاقل لتصفحه الأمور بعقله والأخذ منها