الجنيد البغدادي
206
رسائل الجنيد
رسالة في المعرفة « 1 » أخبرني جعفر بن محمد في كتابه وحدثني عنه الحسين بن يحيى الفقيه الأسفيعاني قال سمعت الجنيد يقول الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا من اقتفى أثر الرسول واتبع سنته ولزم طريقته فإن طريق الخيرات كلها مفتوحة عليه وقرأت على محمد بن علي بن حبيش فقلت سمعت أبا القاسم الجنيد بن محمد يقول سألت عن المعرفة وأسبابها فالمعرفة من الخاصة والعامة هي معرفة واحدة لأن المعروف بها واحد ولكن لها أول وأعلى فالخاصة في أعلاها وإن كان لا يبلغ منها غاية ولا نهاية إذ لا غاية للمعروف عند العارفين وكيف تحيط المعرفة بمن لا تلحقه الفكرة ولا تحيط به العقول ولا تتوهمه الأذهان ولا تكيفه الرؤية وأعلم خلقه به أشدهم إقرارا بالعجز عن إدراك عظمته أو تكشف ذاته لمعرفتهم بعجزهم عن إدراك من لا شيء مثله إذ هو القديم وما سواه محدث وإذ هو الأزلي وغيره المبدأ وإذ هو الإله وما سواه مألوه وإذ هو القوي من غير مقو وكل قوي فبقوته قوي وإذ هو العالم من غير معلم ولا فائدة استفادها من غيره وكل عالم فبعلمه علم سبحانه الأول بغير بداية والباقي إلى غير نهاية ولا يستحق هذا الوصف غيره ولا يليق بسواه فأهل الخاصة من أوليائه في أعلى المعرفة من غير أن يبلغوا منها غاية ولا نهاية والعامة من المؤمنين في أولها ولها شواهد ودلائل من العارفين على أعلاها وعلى أدناها فالشاهد على أدناها الإقرار بتوحيد اللّه وخلع الأنداد من دونه والتصديق به وبكتابه وفرضه فيه ونهيه والشاهد على أعلاها القيام فيه بحقه واتقاؤه في كل وقت وإيثاره في جميع خلقه واتباع معالي الأخلاق واجتناب ما لا يقرب منه فالمعرفة التي فضلت الخاصة على العامة هي عظيم المعرفة في قلوبهم بعظيم القدر والإجلال والقدرة النافذة والعلم المحيط والجود والكرم والآلاء فعظم في قلوبهم قدره وقدر جلالته وهيبته ونفاذ قدرته وأليم عذابه وشدة بطشه وجزيل ثوابه وكرمه وجوده بجنته وتحننه وكثرة أياديه ونعمه وإحسانه ورأفته ورحمته فلما
--> ( 1 ) حلية الأولياء ج : 10 ، ص : 257 - 259 .