الجنيد البغدادي

183

رسائل الجنيد

ولمراعاة حقه ملازمين إلى وقت بروز أحكامه وما بقي عليهم آثار ما به ساروا وشاهدوا ما من أجله قصدوا فلا زال عيون يؤدى لرسالاته متصلة وأياديه متحكمة حتى غطى عليهم فيهم أوصافه واستولى عليهم آثار تحكمه فغطى منهم العقول وخمدت منهم الفهوم واندرست فيهم العلوم ظهر عليهم شاهد ما نعته وأحكام ما ذكرته من كون الخلاف على ظواهرهم وصحة العقد في شاهد حقائقهم مما هم به موصفون قيل أوان أخذه جل وعز لهم عنهم وغطى عليهم منهم ما كانوا به قبل أوان أحوالهم وذلك في ديوان العلم موجود وفي مصنفاتهم مكتوب مثل الربيع بن خثيم رحمه اللّه لما قوي عليه آثار ما شاهد من توقد النيران ، تقوى عليه آثار ما من الحق شاهد وبالحق وجد حتى غطاه تحت الحال وأرمى منه الصفات وظهر منه ترك الصلوات المفروضات في الأوقات المختلفات وعبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه واقف عليه وهو يقول لقد لو رآك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لسر بك . فصل وأما ذكر للأسباب الموجبة للسكر فإن الناس في ذلك مختلفين وفي وجودهم متفاوتين فطائفة يسكرهم ما يتجلى لهم من المغيبات وما ينكشف لهم من المكنونات فتبقى القلوب واقفة بسطع التجلي وثابتة في ذلك بأحكام التولي فتغشاها البهتة وتعلوها السكرة وذلك لمطالعة العلي وما انكشف له من مستأثر الضياء الأوهجية والأنوار الأبهجية وطائفة سكرهم بوادي الحق بالتحقيق وما يظهر من إرسالاته بالتجريد فيجمعهم عنهم إليه عن التفريق واحتوت عليهم بوادي التفريد فيغشاهم بوادي أنوار الزاهر به وأياديه الساطعة فتغشى أسرارهم ما يسترها عن كل مذكور ويفنى عنه كل موجود وطائفة يسكرهم ما نصب الحق للاعتبار وما أجرى من لطيف الخلقة والبهاء على إتقان صنعته فشاع ذلك في الأسرار وانتشر جماله في الأرواح ولا يزال ذلك منتشرا حتى يخرجهم إلى العزيز الغفار فيسكرهم عن حالة ويغمره رؤية أذكاره وطائفة علقت على أرواحهم طيب الحياة وكسيت أرواحهم صفاء الروحانية المقدسة . قد استدامت لمخامرة الذكر أرواحهم فلا هم بالإفاقة موصوفين ولا بالسكر مأخوذين فيطرأ على مسامعهم القول من حكمة فيصادفوا في ذاك معاني ثلاث أحدها طيب النعم الملذة مما كسي الحنجرة من الأصوات المطربة وما يظهر في