الجنيد البغدادي
180
رسائل الجنيد
خمارا لأنها تغطي رأسها به وسميت الإفاقة لكشف تجلى ما كان تغطي تحتها الصفات وخروج العقل والروح من غمرة الحال والانفكاك من تحت الاستيلاء بالقهر عند تكشف ما كان مخامرا تحتها فيصحو صحوا والصحو الإفاقة كما قال الشاعر : صحا قلبه عن سكره وتأملا * وكان بذكرى أم عمرو موكلا ولذلك يقال أصحيت السماء إذا ذهب الغيم عنها وصحا السكران من سكره ، إذا أفاق يصحو صحوا وكذلك كلما برزوا بدأ وظهر وتكشف الأسرار من بوادي الأذكار وسني الأحوال فتلحق القلوب بما يكسي من ذلك لقوة حاله حتى أدهشه واختلط عن تمييز ما كان ذلك سكرة لحقت أهل الأذكار . وقد قال اللّه تعالى : وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [ الحج : 2 ] وذلك لما يغشاهم من هول يوم القيامة ودهشة الحال للوقوف للعرض والمسائلة والإفاقة ما يكشف لهمن الوجود بما أسكره والإفاقة بمن أسكره وهيمه وأصل السكر والإفاقة مبنية على ثلاثة أوجه فأول ذلك سكرة الأحوال ، والثاني سكرة الوجود للصفات ، والثالث سكرة التوحيد وغشاوة التفريد ، ثم يختلف أهل السكرة عند غلبة الأذكار واستتار الأفهام تحتها على مقدار مشاربهم من سقى اللّه لهم من لطيف أذكاره وسني أحواله وغاية بلوغهم على مقدار تمكنهم ومكين مقاماتهم في مكاشفات الحق إياهم ولا يصلح الإفاقة إلا بعد السكر ولا السكر إلا بعد بذل المهج واستفراغ القوى باستفراغ الجهد بحق المحبوب . فأما أول سكرة أهل البدانات من المعانقين للأحوال فإنه يغشاهم بسرعة الزعج بالتنبيه وحدة الإرادة بالترغيب والترهيب فيلبسهم الجدة والتشمير ويغشاهم الجد بشدة الزعج عند غلبة الوارد فيغطي ما كانوا به من الإرادات الدنية والهموم المشتتة والأماني الكاذبة والأفعال الردية والأقوال المسخطة فيكون أحكام قوة ما غشيهم باغتسالهم على ذلك مما يطول ذكره ويكثر شرحه عند تفصيل « 1 » عن أوصافهم بغمرة الأحوال وغشاوة الأذكار . والقسم الثاني هو سكرة الوجود مما انكشف وتحقق بالصفات من بروزه رؤية
--> ( 1 ) في ط : التنقيب .