الجنيد البغدادي

170

رسائل الجنيد

نجباء سادة أجلة عطاء حلماء كرماء أولياء جعلهم اللّه أعلاما من الحق منشورة ومنارا الهدى منصوبة ومناهج للبرية مضروبة أولئك علماء المسلمين وأمناء المؤمنين وأجلة المتقين فهم في نوائب الذين يقتدوا به وبنورهم في ظلمات الجهل يهتدوا وبضياء علمهم في الظلمات يستضاء جعلهم اللّه عز وجل رحمة لعباده وبركة على من شاء من بريته يعلم بهم الجاهل ويذكر بهم الغافل ويرشد بهم السائل ويعطي بهم النائل ويزيد بهم العامل ويبلغ بهم إلى المحل الفاضل ويحث بهم الراحل ويمكن بهم القوى الكامل . أولئك الذين عمروا بالذكر للّه تعالى أعمارهم وقطعوا بالعمل الفاضل الزكي آجالهم وباتوا بذلك للخليقة محمودا آثارهم ووضحت للبرية ضياء أنوارهم فمن اقتبس من سنا نورهم استضاء ومن قفا على آثارهم اهتدى ومن اتبع سير ما هم عليه سعد ولم يشقى أحياهم اللّه تعالى حياة دائمة وتوفاهم وفاة سالمة وأنسوا بما قدموا به إلى الآخرة جعل اللّه تعالى خواتم أمورهم أفضلها وأحوالهم التي قبضوا عليها أجملها وبعد أيها السائل عن نعت المحققين من العلماء العاملين بالعلم في مدة البقاء فقد وصفت لك بعض أحوالهم ، ونعت لك كثيرا من جميل أفعالهم ولو أردت بلوغ الاستقصاء لوصفهم وذكر ما يستحقونه من نعتهم لطال بذلك كتابي ، واتسع به جوابي وفيما أجرى اللّه تعالى ذكره من ذلك كفاية لمن اهتدى وبلاغ لمن عمل بما هو أولى قال العالم للحكيم : أيها الأستاذ العطوف الرحيم والمعلم الناصح للحكيم لقد أزعجت بوصفك للقوم قلبي وملأت بالخيفة صدري وعرفت بذلك موضعي وقدري وخفت أن يعجز عن حمل ما عرفه صبري لما بينته من شدة تقصيري ودوام تخلفي فاحتقرت عند المعرفة نفسي وأيقنت بليتي ونقصي فكيف لي بما أكون به من ذل التخلف خارجا وعن مذموم أخلاق نفسي راحلا وفي أوائل طريق القوم داخلا فإني أرى الوقوف عن ذلك مأثما والبقاء مع الحال التي أنا عليها مغرما . قال له الحكيم : لقد سألت عن شيء عظيم وأمر عالي جسيم يسهل على العالمين بفضله ركوب الأهوال في طلبه وحمل الأثقال والتغرب عن « 1 » الأوطان والخروج عن الأموال وقل من قويت فيما عند اللّه تعالى رغبته إلا سهل

--> ( 1 ) في ط : من .