الجنيد البغدادي
164
رسائل الجنيد
قال اللّه تعالى لنبيه عليه السلام : قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ [ ص : 86 ] وقال تعالى : قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى [ الشورى : 23 ] وكذلك قص علينا في قصص الأنبياء عليهم السلام قول « 1 » نوح قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ [ الفرقان : 57 ] وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [ هود : 88 ] ، وقال : إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَ فَلا تَعْقِلُونَ [ هود : 51 ] ، ومثل هذا كثير في كتاب اللّه تعالى ، وهذه سيرة الأنبياء عليهم السلام في الأمم وسيرة العلماء في الناس أن لا يأخذون على شيء من العلم ثمنا ولا يطلبون على شيء مما يعلمون أجرا وسيما ما أخذه العلماء على العلم سحتا وسيما ما أخذه الربانيون والأحبار مع نهيهم عن ذلك فقال تعالى : لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ [ المائدة : 63 ] والأخبار في النهي عن ذلك كثيرة والاستقصاء في ذلك من الحجة يطول وصفة وقد تبين لك ما بعض ما فيه كفاية وبلاغ واللّه الموفق . وأما الطوائف التي تأولت ورأت أن الذي تأولته هو الحق فإنهم قوم لحقهم الزلل من حيث غابت عنهم علم الحقيقة ونالهم من المشكلات التي لا تبين لأهلها إلا بعد التورط فيها والانغماس في مكروهها جعل القوم أئمتهم فيما تأولوه رجال قلت مناصحتهم لأنفسهم ولم يصادفوا صواب الحقيقة فيما عمدوه . قالوا بالحق إلينا فيما علمناه أشد الحاجة وعلمنا إقامة الحق في سائر الخلق فمن ذلك تقدم الأئمة والمشورة عنهم والتقوى منهم وكذلك الأمراء والرؤساء وعظماء أبناء الدنيا ، فجعلوا السعي إلى الخلفاء والأمراء والحكماء وعظماء أبناء الدنيا عملا لهم يحتسبونه ويؤملون ثوابه وجعلوه من أجل الأعمال وأعظمها قدرا وأوفرها عند ربهم ثوابا فحملوا العلم إليهم وطرقوا به أبوابهم وسعوا بما حملوه منه إلى من يطلبهم له ولم يدعهم إليه ولم يعرفهم به فلحقهم في أول الأمر ذل السعاية والتوسل إلى الحجاب ومهانة الوقوف على أبوابهم فمن بين مأذون له ومن مردود وقد لحقتهم المذلة وعلتهم
--> ( 1 ) في ط : قال .