الجنيد البغدادي
144
رسائل الجنيد
قال : إنهم استغنوا بما كان بدا فخرجوا عن الفاقة وتاركوا المطالعة وألبسوا الظفر بجهد الاقتدار وصولة الافتخار وكانوا بذلك ناظرين إلى الأشياء بما لهم دون التعريج على ما له بإقامة الفرق والفصل لما رأوا ووجد ما بالعينين فاستولى الأمرين فإذا بدت عليهم بوادي الحق ألجأ منه لهم مما لهم على التجريد اقتدارا وافتخارا خرجوا عن ذلك غير مشاكيين له مؤثرين لما انفردت به متعتهم دالة عليه ويقينا بالسماحة لا يرون رجوعا عليهم ولا مطالبة تجرى عليهم فإذا كان ذلك أحاط بهم المكر من حيث لا يعلمون . قلت : قد أغربت على عقلي وزدت في خبائي فادن من فهمي ؟ قال : إن أهل البلى لما اتصلوا بحادث الحق فيها وجارى حكمه عليهم تغربت أسرارهم وتاهت أرواحهم عمر الأبد لا تأويها المواطن ولا تجنها الأماكن تحن إلى مبتليها حنينا وتئن بفناء النأي عنها أنينا قد شجاها فقدانها وذللها « 1 » وجدانها أسوفة عليه موجعة لديه متشوقة في الوجد إليه أعقبها بها ظمأ ويزيد الظمأ في أحشائها نماء فهي الكلفة بمعرفتها السخية بفقدها أقام لها عطشها إليه مع كل مأتم مأتمها ورفع لها في كل كسوة علما يذيقها طعم الفقر ويجدد عليها رؤية احتمال الجهد مما له مع آثار المؤن تواقة إلى ممثلات « 2 » الشجا طلابة لشفائها متعلقة بآثار المحبوب فيما يبدو وكل أبعاد تراه بعين الدنو خفيت خفاء لفقد سترها فما استترت وابتلاها فما نكلت وكيف تستر وهي مأسورة لديه محتبسة له بين يديه سمحت له بهلاكها فما أبدا عليها من ابتلائها ولم تعزم على الاهتمام بأنفسها استغناء بحبه وتعلقا به في محل قربه ترى مقادير الألحاظ منه في سرعة يقظتها يستغرق هلاكها بالجاري عليه في دوام البقاء وتشديد البلاء حتى أمتعها بلاؤها وآنسها به بقاؤها لما رأته قريبا لمنعها واتيا بلسعتها فلم تلو عن حمله كلالا ولا برمت ملالاهم الأبطال فيما جرى عليهم لما أسر إليهم أقاموا في قهره انتظار أمره ليقضي اللّه أمرا كان مفعولا وأهل البلاء انقسموا « 3 » على قسمين فمنهم من أوى إلى بلائه فساكن مراده
--> ( 1 ) في ط : ذلها . ( 2 ) في ط : مثلات . ( 3 ) في ط : يقسمون .