الجنيد البغدادي
143
رسائل الجنيد
هو ما استأثر به عليها فمن كان مستترا أو ذاكرا لها أو مختصا بها كان لا ينبغي للمراد بذلك حضور البوادي عليه ولا البواعث منه إليه ، فتأمن صفته عن الفناء بحقيقة ذاهبا عن الحضور ما هو به اقتدارا من الغالب له القائم به المستولى عليه حتى إذا حضر وأشهد ضمن حضوره الاستتار وانمحت في شهوده الآثار حتى لا يجد السبيل إلى درك الشقاء على خالص الوجود المستولى عليه من الحق تعالى كذلك يرى في صفته العليا وأسمائه الحسنى ، وإنما جرت سنة البلاء على أهل البلاء من هاهنا حتى جاذبوا وأقاموا ولم ينخدعوا أقيم عليهم ما محقهم في نفس القوة وعلو المرتبة وشرف النسبة . قلت : فما أعجب ما أخبرتني به وإن أهل هذه النسبة العالية ليجري عليهم البلاء فكيف ذلك حتى أعلمه ؟ قال : افهم لما طلبوه في مراده ومانعوه عن أنفسهم فطلبوا له في استيلاءه عليهم بساط البلاء على صفاتهم لأن لذة الأشياء فيهم سترهم به ليقضوا بإنيتهم ويحترفوا بحسوسهم ويلذوا برؤية أنفسهم في مواطن الفخر ونتائج الذكر وغلبات القهر وأنى لك بعلم ذلك ، وليس يعلمه إلا أهله ولا يجده سواه ولا يطيقه غيرهم أو تدرى لما طالبوه ومانعوه فتوسلوا به بما منه بدا إليه واستعانوا في التوسل بالحقائق عليه لأنه أوجدهم وجوده لهم وثبت فيهم وعليهم غيب سرائره الواصلة إليه فانمحت الآثار وانقطع الأوطار حتى توالت النسب وتعالت الرتب بفقدان الحس وفناء النفس ثم أحضرها « 1 » الفناء في فنائهم وأشهدهم الوجود في وجودهم فكان ما أحضرهم منهم وأشهد من أنفسهم سترا خفيا وحجابا لطيفا أدركوا به غصة الفقد وشدة الجهد لاستتار ما لا تلحق به العلل إحضار ما يلحق العلل به وتليق الآثار بصفته فطالبوه فيما كان مطالبهم وما يعرفه من نفوسهم لأنهم حلوا بمحل القوة ونالوا حقائق الحظوة فأقيم عليهم منهم لهم فنشأ منه فيهم تمام كان ولا كان على الصفة وإن كانت غصة البلاء تزيد . قلت : فصف لي تلوين البلاء عليهم في موطنهم العجيب ومنزلهم القريب ؟
--> ( 1 ) في ط : أحضرهم .