الجنيد البغدادي

142

رسائل الجنيد

إلى الواجد لها لأنها لم تكن عنه ولا منه ولا به وإنما كانت واقعة عليه من غيره وهي لغيرها أولى وبه أحرى ، وكذلك جاز أن نكون بهذه الصفة الخفية وهي غير منتسبة به على النحو الذي ذكرنا . قلت : كيف يكون الحضور سبب الفقد والمتعة بالمشاهدة كمال الجهد وإنما علم الناس هاهنا أنهم يتمتعون ويجدون بالحضور لا يجهدون في ذلك ولا يفقدون . قال : ذلك علم العامة المعروف وسبيل وجودهم الموصوف فأما أهل الخاصة والخاصة المختصة الذين غربوا لغربة أحوالهم فإن حضورهم فقد ومتعتهم بالمشاهدة جهد لأنهم قد محو عن كل رسم ومعنى يجدوه بهم أو يشهدوه من حيث هم بما استولى عليه فمحاهم وعن صفاتهم أفناهم حتى قام بهم وقام عنهم بما لهم وثبت دواعي ذلك عليهم وفيهم من جنس كماله وتمامه فوجدوا النعيم به غيبا بأمتع الوجود على غير سبيل الوجود لاستئثار الحق واستيلاء القهر فإذا « 1 » فقدت الأرواح النعيم الغيبي الذي لا تحاسه النفوس ولا تقاومه « 2 » الحسوس . ألفت فناءها عنها وجدت بقاءها يمنعه فناءها فإذا أحضرها أثبتها « 3 » وأوجدها جنسها استترت بذلك عما كانت به ( وكان بها ) « 4 » فغضت نفسها وألفت بجنسها إذ أفقدها التمام الأول والإكرام الأكمل وردت إلى تعلم وتعقل فالحسرة فيها مستكنة وغصة الفقد بها متصلة في حال حضورها وكائن وجودها ولذلك تاقت إلى الشهرة ورجعت إلى الحاجة ، فكيف لا يكلمها ما أخرجها بعد غيابها وتوقانها بعد امتلائها فمن هاهنا عرجت نفوس العارفين إلى الأماكن النضرة والمناظر الأنيقة والرياض الخضرة وكل « 5 » ما سوى ذلك عذاب عليها مما تحن إليه من أمرها الأول الذي تشمله الغيوب وتستأثر به المحبوب . ويحك إن إشارته إلى الصفة إشارة لا يشارك فيها غيره « 6 » ومراده فيها ومنها

--> ( 1 ) في ط : فلما . ( 2 ) في ط : تقاربه . ( 3 ) في ط : إنيتها . ( 4 ) ليست في خ . ( 5 ) في ط : وكان . ( 6 ) ليست في خ .