الجنيد البغدادي
134
رسائل الجنيد
فشبح قائم بين يديه ليس بينهما ثالث ، تجري عليه تصاريف تدبيره ، في مجاري أحكام قدرته ، في لجج بحار توحيده ، بالفناء عن نفسه وعن دعوة الحق له ، وعن استجابته له ، بحقائق وجود توحيده ، بالفناء عن نفسه وعن دعوة الحق له ، وعن استجابته له ، بحقائق وجود وحدانيته في حقيقة قربه ، بذهاب حسه وحركاته ، لقيام الحق له فيما أراده منه ، والعلم في ذلك أنه رجع آخر العبد إلى أوله ، وأن يكون كما كان إذ كان قبل أن يكون ، والدليل في ذلك قول اللّه عز وجل : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [ الأعراف : 172 ] فمن كان وكيف كان قبل أن يكون ، وهل أجابت إلا الأرواح الطاهرة العذبة المقدسة ، بإقامة القدرة النافذة والمشيئة التامة ، الآن كان إذ كان قبل أن يكون ، وهذا حقيقة توحيد الموحد للواحد بذهاب هو . آخر مسألة التوحيد من كلامه رضي اللّه عنه سئل الجنيد رحمه اللّه إلى أين تنتهي عبادة أهل المعرفة باللّه عز وجل ، فقال : إلى الظفر بنفوسهم ، نصب الحق لهم أعمال أدلة العمال ، فوقفوا مع ما له دون التعريج على ما لهم ، فشوق إليهم الأنبياء وانتسب بهم للأولياء ، وسبحت لهم الملائكة ، فتركوا ما لهم ووقفوا مع ما للّه عز وجل عليهم وسائر الناس وقفوا مع ما لهم وتركوا ما للّه عز وجل عليهم فرد اللّه عز وجل كلا إلى قيمته . * * * سئل ابن الخفيف « 1 » رحمه اللّه تعالى عن قول الجنيد : اجهد أن تكون حيث تقول ، فقال : نعم ، رأى الجنيد رحمه اللّه تعالى في السائل دعاويا فقال له : اجهد أن تكون حيثما تشير إليه .
--> ( 1 ) أبو عبد اللّه محمد بن خفيف ، المقيم بشيراز ، كانت أمه نيسابورية ، وكان شيخ المشايخ في وقته ، صحب رويما والجريري وأبا العباس بن عطاء وطاهرا المقدسي ، ولقي الحسين بن منصور . وكان عالما بعلوم الظاهر وعلوم الحقائق ، أوحد المشايخ في وقته حالا وعلما وخلقا . مات سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة . انظر : طبقات الصوفية لأبي عبد الرحمن السلمي ، تحقيق نور الدين شريقه ، مكتبة الخانجي ، ص : 462 ، وانظر أيضا : الموسوعة الصوفية للدكتور عبد المنعم الحفني ، ص : 142 - 148 ، حية الأولياء ، ج 1 ، ص : 385 - 387 .