الجنيد البغدادي

123

رسائل الجنيد

التمتع بخدمته وحسن المعونة على موافقته ، وقد أنست منهم الأعداء وأماتت عنهم الخشية الهوى وأقرت بهم عيون الأحياء لا يرون ما لا هو أعظم مما نالوا ولا يبتغون بما أنعم عليهم بدلا ولا يريدون عنه حولا ، صفا بهم العلم . . . المعاملة وأعزهم الانقطاع إلى اللّه تعالى وأغناهم به عمن سواه . هم طلبة اللّه بطلابه ومحبو اللّه وأحباؤه . هلموا شوقا إلى رؤيتهم وحسرة على معاوضتهم وسرورا . . . بمخادمتهم . أردتم اللّه فأراده وطلبوا اللّه فوجدوه ، فمن أراد النجاة فليتعجل روح الحياة بطلب الوصول . مناه فإن اللّه منية الأولياء وصفية العقلاء وطلب الأصفياء ولولاه ما اهتدوا إليه ، ومن ( ذكرتم ) قلتم . . . ولم يحملهم إلا ما يطيقونه ولم . . . بل أنعم عليهم بجميل قوله . . . وتجاوز لهم عما عجزت عنه . . . على جميل الصحبة وكثرة الأيادي بالحفظ للأمم السالفة بحسن التنقيل وخلاصهم من العذاب الوبيل ودلهم على سبيل الشكر المرضى عنده وألف بينهم . ميز النظراء من الأشياء والأشكال وصان قلوبهم وأبصارهم واستماعهم عن الدنو إلى الخفاء أبقوا من محادثة . . . منها مما يفنى وهانت عليهم مصائب الدنيا وألفوا ( واجتنازلهم ) « 1 » . . قرب منهم التقديس والتسبيح والتحميد والتمجيد والتهليل ، وراحتهم وقرة أعينهم في مناجاتهم فما يصدرون عن لقائه في معادهم إنما قطع الخلق عز وجل اتباعهم الأهواء وطاعتهم الأعداء ، ومحادتهم بزهرة الحياة الدنيا وإشارتهم وإيثارهم ما يفنى على ما يبقى ، فبادر يا أخي إلى صلاح ما مضى من العمر وما ضاع منه بالسهو والغفلة والتفريط والتواني لحفظ ما أبقى عليك منه . الانزعاج والخوف والجد والحذر قبل أوان الوقت ونزول الموت فإنه لا يرضي عمر بقي إلا بمثل العمل الغني يرضي عمر تلف فاسع في فكاك الرق بترك ملابسة العلائق الشاغلة ، فإن للّه يوم تبرز فيه الخبايا وتبدو فيه الأعمال يوم لا يبقى فيه شهيد ولا صديق بعلمه ، ولا يرجو أحد فيه إلا التجاوز والعفو من ربه يوم تكثر فيه الندامة وتقوى فيه الملامة . فالآن ما دام العذر مقبولا والوقت مبسوطا والعمل ممدودا والتوبة مقبولة والذنب تمحوه الإنابة والندم والقول فيه مسموعا والخير فيه مسوغا والحق بينا والطريق واضحا والحجة لازمة ، فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ

--> ( 1 ) كلام غير واضح في الأصل .