الجنيد البغدادي
115
رسائل الجنيد
الذي حركها إلى الدعاء إليه ومجموع ذلك أن يكون الخاطر شهوانيا أو لطلب الراحة فالغالب على هذا الخاطر أنه من النفس . والشاهد الثاني إلحاح بهذا الخاطر وعدم انقطاعه حتى يأتي مواليا كلما جاهدت في دفعه عن نفسك ألح عليك ولج ، ولا ينفع فيه الاستعاذة ولا التخويف ولا التحذير ولا الترغيب بل هو ملم دائم الإلحاح فهذا من أكبر الدلائل على أنه من النفس إذ هي كالصبي متى منع من الشيء ازداد إلحاحا في طلبه فهاتان الحالتان شاهدا عدل متى اجتمعتا لا تشك في أن الخاطر من النفس . ومداواتها عند هذه القضية المخالفة المحقة والإتعاب الشديدة فتمنعها الراحة عندما يكون الباعث للخطر كثرة الكد والإتعاب بالعبادة . إذ بوصف وصفة أثقل ليكون ذلك أقمع لها من التحريك لمثل هذا الخاطر ، وإن كان شهوانيا جعل دواءه الحرمان للشيء الذي طلبته أو تمنع من مشتهى آخر لها ليكون ذلك أمنع لها ، وأما الخاطر الشيطاني فله أيضا علامتان أحدهما تنبيهه ببعض ما تحتاج النفس إليه لداعي الشهوة أو داعي الراحة في الأوقات المألوفات « 1 » تحصيل للنفس مطلوباتها فيه « 2 » والفرق بينه وبين النفساني في هذا الباب أن النفساني يلج ولا يذهب وهذا يذهب تارة ويكر تارة ، فكلما لهى الإنسان عنه غلبه « 3 » سبب فتور النفس ألح عليها بالتذكير بالشهوة ، وتكون حركة النفس عند هذا التذكير أكثر من الخاطر النفساني إذ الخاطر النفساني إنما خطر لشدة الحاجة ، والثاني أن هذا الخاطر الشيطاني يبتدئ ويطرأ على عقله ، والخاطر النفساني متصل بمتحرك للطبع نحو الشهوة والراحة وذلك أن وسوسة الشيطان إنما هي تجرى مجرى مخاطبة الإنسان للإنسان غير أن الفرق بين هذا وذاك ألا يراه والإنسان يحرك قلبك من جهة حاسة الأذن عند الخطاب أو التصويت والبصر عند الإشارة والحس عند الغمز ، والشيطان يحرك ذلك من الوسوسة وغمز القلب والحضور « 4 » فيه وهو لا يعلم المغيب وإنما يأتي إلى النفس من جهة الأخلاق التي ألف انفعالها له ، فهذا الفرق بين النفساني والشيطاني . وأما الخاطر الرباني فإنه يستدل عليه بشاهدين أيضا : أحدهما وهو المقدم موافقة الشرع للخاطر ، وشهادته بصحته ، والثاني فتور النفس عن قبوله حتى يحصل لها نوع من
--> ( 1 ) في ط : المألوف . ( 2 ) في ط : فيها . ( 3 ) ليست في : ط . ( 4 ) في ط : والخطور .