أحمد الخراز البغدادي
57
كتاب الصدق أو الطريق السالمة
عنه ، قرحة في حلقه ، فقال اخنق « 1 » خنقك ، فوعزتك إني أحبك » . وكان علي بن سهل المدائني ، رحمه اللّه ، يقوم إذا هدأت العيون ، فينادي بصوت له محزون : « يا من اشتغلت قلوب خلقه عنه بما يعقبهم عند لقائه ندما ، ويا من سهت قلوب عباده عن الاشتياق إليه ، إذ كانت أياديه إليهم قبل معرفتهم به » ثم يبكي حتى تبكي لبكائه جيرته ، ثم ينادي : « ليت شعري سيدي إلى متى تحبسني ! ابعثني سيدي إلى حسن وعدك ، وأنت العليم أن الشوق قد برح بي ، وطال علي الانتظار » ثم يخر مغشيا عليه ، فلا يزال كذلك حتى يحرك لصلاة الصبح . وكان الحارث بن « 2 » عمير ، رحمه اللّه ، يقول إذا أصبح : أصبحت ونفسي وقلبي مصر على حبك سيدي ، ومشتاق إلى لقائك ! فعجل بذلك قبل أن يأتيني سواد الليل ، فإذا أمسى قال مثل ذلك ، فلم يزل على مثل هذا الحال ستين سنة . فالمشتاق إلى اللّه ، تعالى : هو المتبرم « 3 » بالدنيا والبقاء فيها ، وهو محب للموت وانقضاء المدة والأجل . ومن علامته التوحش « 4 » من الخلق ، ولزوم العزلة والانفراد بالوحدة ، ومن شأنه : القلق ، والحنين ؛ والحزن ، والنحيب « 5 » ، والكمد « 6 » ، والغصة « 7 » المنكسرة في الصدر بشدة الشغف والكلف « 8 » والهذيان « 9 » بذكر المحبوب ، والارتياح إليه ، والفكرة الصافية بهيجان الهمة ، وجولان الروح في الغيوب ، لطلب اللقاء والبهت « 10 » ، والدهش ، والحيرة ، عند توهم الظفر بالأمل من المأمول ، ونسيان حظه من الدنيا
--> ( 1 ) خنقه خنقا : عصر حلقه وكتم أنفاسه حتى مات . ( 2 ) الحارث بن عمير ( توفي 8 ه - 629 م ) . الحارث بن عمير الأزدي اللهبي . صحابي ، بعثه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى ملك بصرى بكتابه ، فلما نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني فأوثقه رباطا وضرب عنقه صبرا ، ولم يقتل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم رسول غيره . وعلى أثر مقتله كانت غزوة مؤتة . الأعلام 2 / 156 ، 157 ، والإصابة 1 / 286 . ( 3 ) تبرّم به : تضجّر منه وسئمه . ( 4 ) توحش الرجل : صار كالوحش . ( 5 ) النحيب : رفع الصوت بالبكاء . ( 6 ) الكمد : الحزن المكتوم ، والحزن الشديد . ( 7 ) الغصّة : ما اعترض في الحلق من طعام أو شراب ( ج ) غصص . ( 8 ) كلف الشيء وبه : أحبه وأولع به . ( 9 ) الهذيان : اضطراب عقلي مؤقت يتميز باختلاط أحوال الوعي . ( 10 ) البهت : الانقطاع والحيرة .