أحمد الخراز البغدادي
54
كتاب الصدق أو الطريق السالمة
وقال عمر بن عبد العزيز ، رضي اللّه عنه : أصبحت ومالي في الأمور من اختيار . وقال بعضهم : ومالي من النعم سوى مواقع القدر في ، كائنا ما كان ، وكان قد سقي السم ، فقيل له : تعالج ، فقال : لو علمت أن شفائي : في أن أمس أنفي أو أذني ما فعلت . وقال النبيّ ، صلّى اللّه عليه وسلم ، لابن مسعود ، رضي اللّه عنه : « يا بن أمّ عبد لا يكثر همّك ، ما يقدّر يكن ، وما ترزق تأكله » « 1 » . وقال النبيّ ، صلّى اللّه عليه وسلم ، في قصة طويلة لابن عباس ، رضي اللّه عنهما : « فإن استطعت أن تعمل للّه بالرضا في اليقين ، وإلا ففي الصبر على ما تكره : خير كبير » « 2 » . أفلا ترى أنه ، صلّى اللّه عليه وسلم ، دعاه إلى أعلى الحالين . وقال بعض الحكماء : إذا استتم في العبد الزهد والتوكل ، والمحبة ، واليقين ، والحياء ، صح له الرضا . وهو عندنا كما قال ، وإلا فهو مع الناس ، أوقات وخطرات على قدر إيمانهم ، ثم يعودون إلى الصبر . وقال بعضهم : الرضا قليل ، ومعول المؤمن : الصبر . فقلت : اشرح لي قول الحكيم : الراضي يتلقى المصائب بالبشر والسرور . قال : إن العبد ، لما صدق في محبته ، وقعت بينه وبين اللّه ، تعالى ، المفاوضة والتسليم ، فزالت عن قلبه التهم ، وسكن إلى حسن اختيار من أحبه ، ونزل في حسن تدبيره وذاق طعم الوجود به ، فامتلأ قلبه فرحا ونعيما وسرورا ، فغلب ذلك ألم المصائب والمكروه والبلوى ، فصار اسم البلوى عليه معلقا ، فيستخرج منه إذا نزل به أمور كبيرة ، فتارة يتنعم بعلمه به ، إذا علم أنه يراه في البلوى ، وتارة يعلم أنه ذكره ، فابتلاه ، ولم يغفل عنه ، على عظم قدره أن يولي من أمره ما فيه الصلاح ، فيراه تارة يشكو إليه شكوى المحب إلى حبيبه ، وتارة يئن إليه ؛ وتارة يطمع أن يراه راضيا عنه . فهكذا قال ، جلّ ذكره : يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً [ الفجر : 27 ، 28 ] .
--> ( 1 ) أخرجه الزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 8 / 167 ) ، والعجلوني في ( كشف الخفاء 2 / 523 ) . ( 2 ) أخرجه الزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 7 / 338 ) ، وفي الجزء الثاني من ( الجامع الكبير 2 / 80 ، 468 ) .