أحمد الخراز البغدادي

51

كتاب الصدق أو الطريق السالمة

فالمحب للّه : قد جعل ذكر اللّه تعالى ، بقلبه ولسانه ، فرضا على نفسه ، فهو يتفرغ من الغفلة ويستغفر منها ، وكذلك جوارحه : إنما هي وقف لخدمة من أحبه . فهو : غير ساه ، ولا لاه ، وإنما همه : أن يرضي من أحبه ، فقد بذل المجهود في موافقته : في أداء فرائضه ، واجتناب مناهيه ، فهو متزين له بكل طاقته حذرا من أن يأتي عليه أمر يسقطه من عين من أحبه . وهكذا روى النبيّ ، صلّى اللّه عليه وسلم ، من غير طريق ، أنه قال : « يقول اللّه ، عزّ وجلّ : ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ، ولا يزال يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته ، كنت له : سمعا ، وبصرا ، ويدا ، ومؤيدا : دعاني فأجبته ، ونصح لي فنصحت له » « 1 » . فعلامة المحب : الموافقة للمحبوب ، والتجاري « 2 » مع طرقاته في كل الأمور ، والتقرب إليه بكل حيلة ، والهرب من كل ما لا يعنيه على مذهبه . قلت : فالمحبة على قدر النعم ؟ قال : المحبة بدؤها : من ذكر النعم ، ثم على قدر المنعم : على قدر ما يستحق ؛ لأن المحب للّه تعالى يحب اللّه تعالى - عند النعم ، وعند فقدها ، وعلى كل حال - حبا صحيحا ، منعه ، أو أعطاه ، أو ابتلاه ، أو عافاه ، فالمحبة لازمة لقلبه ، على حالة واحدة ، في العقد ، ثم هي إلى الزيادة أقرب . ولو كانت على قدر النعم ، لنقصت المحبة إذا نقصت النعم ، في وقت الشدائد ووقوع البلاء لكن المحب للّه تعالى ، الذي وله « 3 » عقله بربه ، واشتغل برضاه فكان في شكره للّه وذكره حيران ، كأنه ليست نعمة على أحد إلا وهي عليه ، وهو مشغول بحبه للّه ، عزّ وجلّ ، عن كل الخلق ، وقد أسقطت المحبة للّه تعالى ، عن قلبه ، الكبر ، والغل ، والحسد ، والبغي ، وكثيرا مما يعنيه من أمر الدنيا من مصلحة ، فكيف يذكر ما لا يعنيه ؟ ! قال بعض الحكماء : من أعطى من المحبة شيئا فلم يعط مثله من الخشية : فهو مخدوع : وروي عن الفضيل بن عياض ، رحمه اللّه تعالى ، أنه قال : الحب أفضل من الخوف . وحدّثنا إسماعيل بن محمد قال : حدّثني زهير البصري قال : لقيت شعوانة ، فقالت لي : ما أحسن طريقتك ! إلا أنك تنكر المحبة !

--> ( 1 ) أخرجه الزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 3 / 170 ، 9 / 610 ) . ( 2 ) جاراه مجاراة وجراء : تابعه وجرى معه ، وتجاريا : جرى أحدهما مع الآخر . ( 3 ) وله : اشتد حزنه حتى ذهب عقله .