أحمد الخراز البغدادي
36
كتاب الصدق أو الطريق السالمة
القلب بأمور الدنيا والرزق ، وكل أمر تكفل اللّه به ، والعلم بأن كل ما احتاج إليه العبد من أمر الدنيا والآخرة : فاللّه مالكه والقائم به ، لا يوصله إليه غيره ، ولا يمنعه غيره مع خروج الرغبة والرهبة والخوف من القلب ممن سوى اللّه ، تعالى ، والثقة به والعلم الخالص ، واليقين الثابت : أن يد اللّه المبسوطة إليه ، الموفية له من كل ما طلب ؛ فلا يصل إليه معروف إلا من بعد أمره ، ولا يناله مكره إلا من بعد إذنه ! وهكذا روي عن الفضيل ، أنه قال : المتوكل على اللّه ، الواثق به : لا يتهمه ، ولا يخاف خذلانه . وكذلك المتوكل على اللّه : إذا ملّكه اللّه تعالى شيئا من أمر الدنيا وفضل عنده ، لم يدخره لغد إلا بالنية أن الشيء إنما هو للّه ، وموقوف لحقوق اللّه ، وهو خازن من خزان اللّه ، فإذا رأى موضع الحاجة سارع إلى الإخراج والبذل والمؤاساة ، وكان في الذي يملك وإخوانه سواء . وإنما يجب ذلك عليه لأهل الستر خاصة ، والقرابة ، وأهل التقوى ، ثم لعام المسلمين ، إذا رآهم على حال ضرورة غيّر نقص حالهم . وروي عن النبيّ ، صلّى اللّه عليه وسلم ، أنه قال : « ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال ، ولا بإضاعة المال ، ولكن الزهد في الدنيا : أن تكون بما في يد اللّه أوثق منك بما في يدك ، وإذا أصابتك مصيبة كنت بثوابها : أفرح منك بها لو بقيت عنك » « 1 » . وقال بلال « 2 » ، رضي اللّه عنه : « جئت إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ومعي تمر فقال : ما هذا ؟ . فقلت : شيء ادّخرته لإفطارك . فقال : أنفق بلال ، ولا تخش من ذي العرش إقلالا ، أما خشيت أن يكون له بخار في جهنم ؟ » « 3 » .
--> ( 1 ) أخرجه ابن ماجة في ( السنن 4100 ) ، وابن عدي في ( الكامل في الضعفاء 4 / 1769 ) . ( 2 ) بلال الحبشي ( توفي 20 ه - 641 م ) . بلال بن رباح الحبشي ، أبو عبد اللّه . مؤذن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وخازنه على بيت ماله . من مولدي السراة ، وأحد السابقين للإسلام ، وكان شديد السمرة ، نحيفا طوالا ، خفيف العارضين ، له شعر كثيف . وشهد المشاهد كلها مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ولما توفي رسول اللّه أذن بلال ، ولم يؤذن بعد ذلك . وأقام حتى خرجت البعوث إلى الشام ، فسار معهم . وتوفي في دمشق . روى له البخاري ومسلم 44 حديثا . ( الأعلام 2 / 73 ، وابن سعد 3 / 169 ، وصفة الصفوة 1 / 171 ، وحلية 1 / 147 ) . ( 3 ) أخرجه الطبراني في ( المعجم الكبير 1 / 344 ) ، والمتقي الهندي في ( كنز العمال 16011 ، 16185 ، 17019 ) ، والمنذري في ( الترغيب والترهيب 2 / 51 ) ، والعراقي في ( المغني عن -