أحمد الخراز البغدادي
18
كتاب الصدق أو الطريق السالمة
والتشوف « 1 » ، فهما خير أعوانه عليك ، وبهما يقوي كيده ، وإذا اتبعتهما فأحضر عقلك وعلمك الذي علمك اللّه تعالى ، فقم بهما على نفسك ، وراع قلبك وما يقع فيه ، فما كان من أجناس الخير والعلم فاتبعه ، وما كان من جنس الباطل والهوى فانفه بالسرعة ، ولا تماد على الخطرة « 2 » فتصير شهوة ، ثم تصير الشهوة همة « 3 » ، ثم تصير الهمة فعلا . واعلم أنّ عدوك : إبليس لا يغفل عنك في سكوت ولا كلام ، ولا صلاة ولا صيام ، ولا بذل ولا منع ، ولا سفر ولا حضر ، ولا تفرد ولا خلطة ، ولا في توقر ولا عجلة ، ولا في نظر ولا في غض بصر ، ولا في كسل ولا في نشاط ، ولا في ضحك ، ولا في بكاء ، ولا في إخفاء ولا في إعلان ، ولا حزن ولا فرح ، ولا صحة ولا سقم ، ولا مسألة ولا جواب ، ولا علم ولا جهل ، ولا بعد ولا قرب ، ولا حركة ولا سكون ، ولا توبة ولا إسرار . ولن يألو جهدا في توهين عزمك ، وفتور نيتك ، وتأخير توبتك ، ويسوّف برّك وقتا إلى وقت ، ويأمرك بتعجيل ما لا يضرك تأخيره ، يريد بذلك قطعك من الخير ، ثم يذكرك في وقت شغلك بالبر والطاعة ، الحوائج ، ليقطعك عن خير أنت فيه . وربما حبب إليك النقلة من بلد إلى بلد : يوهمك أن غير البلد الذي أنت فيه أفضل ، ليشغل قلبك ، ويعطل مقامك بما يعقبك الندم إذا أنت فعلته . فاحترس عن عدوك أشدّ الاحتراس وتحصن منه بالملجأ إلى اللّه ، عزّ وجلّ ، فإنه : أمنع الحصون ، وأقوى الأركان ! فاجعل اللّه تعالى : كهفك وملجأك ، واحذر عدوك عند الغضب والحدة ، فإنك ، إن استقبلك في هيج الغضب ، ذكر اللّه تعالى ، وعلمت أنه شاهدك ، أطفأت بمراقبته نيران العزّ وتوقد الحمية ، وأجللت من قد علمت : أنه يراك من أن تحدث في غضبك ما تستحق به غضبه ، فإن الشيطان يغنم منك هيج الغضب وحمية الشهوة . وأما حذرك إياه عند الحدة ، فإنه يقال : إنّ الشيطان يقول : « إنّ الحديد من العباد لن نأيس منه ، ولو كان يحيي بدعائه الموتى ، لأنه تأتي عليه ساعة يحتد ، فنصير منه إلى ما نريد » . « ومن يعتصم باللّه فقد هدي إلى صراط مستقيم » !
--> ( 1 ) تشوّف فلان إلى الشيء : تطلّع إليه ونظر وطمح بصره إليه . ( 2 ) الخطرة : الحين . والخاطر : ما يخطر بالذهن من رأي أو أمر أو معنى . ( 3 ) الهمّة : العزم القوي ( ج ) همم .