يحيى بن معاذ الرازي

96

جواهر التصوف

* وبخصوص ( الرضا عند مكاشفة المقدور ) سيأتي بعد في باب الرضا . * * * 139 - « الصّبر في الحلاوة من علامات الإخلاص ، وعندي الاشتغال بمخالفة النّفس والهوى من علامات النّجاة والخلاص » [ علم القلوب : 159 ] * الحلاوة في هذه العبارة هي حلاوة الإيمان ، ومن حديث أنس رضى اللّه تعالى عنه في البخاري قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان : أن يكون اللّه ورسوله أحبّ إليه ممّا سواهما ، وأن يحبّ المرء لا يحبّه إلا للّه ، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار » . * قد يجد العامل بطاعة اللّه جل جلاله زيادة في يقينه أو ترويحات قلبية تغمره بلطيف الوصل ولذّة القرب ، كعاجل بشرى لما بعدها ، وأمارة له على قبول عمله . وقال ابن عطاء اللّه السكندرى : « من وجد ثمرة عمله عاجلا فهو دليل على وجود القبول آجلا ؛ وهذا غاية المنى ونهاية الأمل . . فإن لم يلتفت إلى هذه البشريات وظل صابرا عن معصية اللّه مثابرا على طاعته فهذا هو الدليل على إخلاصه ، فهو يعبد اللّه لذات اللّه ، وامتثالا لأمره ، لا ينتظر في مقابل طاعته عوضا . . وكيف وهو يعمل لنفسه ، وهل رأينا - مثلا - من يحلق ذقن نفسه ويطلب أجرا على ذلك من غيره ، إنما هو محض فضل من الحقّ جل جلاله ؛ قال تعالى : إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها [ الإسراء : 7 ] * ومخالفة النفس والهوى والصّبر على ذلك من علامات النجاة والخلاص ، وليس هما عدوّيه فحسب كما ذكر شيخنا ، بل هم أربعة أعداء جمعهم شاعر حكيم في بيتين فأحسن وأجاد : إنّى بليت بأربع يرميننى * بالنّبل عن قوس لها توتير إبليس والدنيا ونفسي والهوى * يا ربّ أنت على الخلاص قدير والشاهد في حياتنا - على مستوى الأفراد بل والأمم - أنّ من لا يستطيع مقاومة عدوه وحده يتحالف مع غيره لصدّه . . وليس سوى الاستعانة باللّه في مقاومة المرء لأعدائه الأربعة ؛ فهي طوق النّجاة في لجّتهم ، كما أنها إقرار من العبد بالافتقار إلى سيّده ومولاه ، وفي هذا نكتة لطيفة ، فعداوتهم وإن كانت ضارّة إلا أن لها جانبا مفيدا فقد ألجأت العبد إلى سيده ، وهذا حال العبد الآبق إذا أصابته محنة لا يستطيع منها فكاكا آب إلى سيده . * والصبر باعتبار حكمه ينقسم إلى : 1 - الصبر عن ارتكاب المعاصي وحبس النّفس عنها . . فرض