يحيى بن معاذ الرازي
69
جواهر التصوف
أطعتنا فشكرناك ، ثم تركتنا فأمهلناك ، وإن عدت إلينا قبلناك ، فتاب وعاد » . وقيل في عبارة شيخنا - يحيى - إنه يحكى عن حاله ؛ فزلّة العالم أقبح من زلة الجاهل . * * * 88 - « هو ألقاهم في الذّنب يوم سمّى نفسه العفوّ الغفور . » [ صفة الصفوة : 4 / 92 ] . * لعل شيخنا يشير في هذه العبارة إلى قصة أبينا آدم عليه السلام ، وأكله من الشجرة وتوبته ، يقول تعالى : فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [ البقرة : 37 ] ، وهو قوله تعالى : رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ [ الأعراف : 23 ] . تلقّى كلمات : أي استقبلها بالأخذ والقبول والعمل بها . وعن ابن مسعود رضى اللّه عنه قال : « إنّ أحبّ الكلام إلى اللّه تعالى ما قاله أبونا آدم حين اقترف الخطيئة : « سبحانك اللهمّ وبحمدك ، وتبارك اسمك ، وتعالى جدّك ( أي عظمته وفضله تعالى ) ، ولا إله إلا أنت ، ظلمت نفسي فاغفر لي ؛ إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت » . والحقيقة أن ذات اللّه وصفاته وأسماءه كلها قديمة ، وأنه جلّ جلاله كان ولا شئ معه ، ولما أمر الحقّ القلم أن يكتب مقادير الخلائق كان ذلك قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ، كما أن اسمه العفوّ الغفور كبقية أسمائه قديم قدم الذات ، ولا يصحّ أن نقول إنه جل جلاله لا يستحق هذا الاسم إلا بعد أن وقع عباده في الذّنب ، كما لا يستحق اسم الخالق إلا بعد إيجاده الخلق ، ولو كان كذلك - سبحانه - لكان ناقصا فيما لم يزل ، وتمّ بالخلق ، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا . . كما لو أن اللّه استوجب أنه خالق بالخلق ، واستوجب أنه عفوّ غفور بوقوع الناس في الذّنب وتوبتهم منه لكان محتاجا إلى الخلق ، والحاجة أمارة الحدث ، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا ؛ كما أن ذلك معناه أنه لم يكن خالقا قبل ثم كان ، ولم يكن عفوا غفورا ثم كان . . وتغيّر الحال على اللّه من المحال . . . وبذلك ينتفى أن اسمه العفو الغفور حادث يرتبط وجودا مع وقوع المعصية الأولى ولكن نستطيع أن نقول إنه ارتبط بها عملا : معصية ، فاستغفار ، فعفو . . . كما نقول أيضا إن هذا كان في علم اللّه ، وعلم اللّه قديم . . خلق يذنبون وربّ غفور . * * * 89 - « لولا أنّ العفو من أحبّ الأشياء إليه ، ما ابتلى بالذّنب أكرم الخلق إليه . » [ صفة الصفوة : 4 / 92 ] . وردت هذه العبارة بصيغة أخرى في تاريخ الإسلام للذهبي ( 16 / 374 ) بلفظ :