يحيى بن معاذ الرازي

65

جواهر التصوف

بكثرة النعم التي أفاضها عليهم ، أو بالعافية التي ألبسهم إياها . . فيستر سلون في المعاصي والمخالفات ، ويسوّفون في التوبة ، وما يدرون أنهم مستدرجون في مفازة الاغترار حيث الهلاك والبوار . ولا يحسن للعبد أن يلجأ إلى الرجاء وحده دون الخوف إلا لضرورة ، وذلك متى أحس باليأس يملأ صدره ، ويملك عليه لبّه ، عند ذلك يجد في الرجاء ما يستروح به ، فالرجاء في اللّه مأمور به ، واليأس من رحمة اللّه منهى عنه . . والرجاء عند الموت ضرورة ، وسبق أن ذكرنا أن الصحابة رضوان اللّه عليهم ومن جاء من التابعين والسلف إذا حضر أحدهم الموت ذكّروه بفضائل أعماله ؛ حتى يغلّب عليه الرجاء وحسن الظن باللّه في هذه الساعة ، ومن حديث جابر فيما يرويه أحمد ومسلم قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا يموتنّ أحد منكم إلا وهو يحسن الظنّ باللّه تعالى » . وهذا الإمام أحمد بن حنبل رحمه اللّه لّما احتضر قال لابنه : اذكر لي الأخبار ( أي الأحاديث ) التي فيها الرجاء وحسن الظن باللّه ، ولما احتضر سليمان التّيمىّ قال لابنه : حدّثنى بالرخص ، واذكر لي الرجاء ؛ حتى ألقى اللّه تعالى على حسن الظن به » . . ولذا قالوا : « الخوف أفضل للمرء ما دام قويّا ، حتى إذا حضره الموت كان الرجاء أفضل » . * ومن عبد اللّه بالخوف والرجاء استقام في محجة الإدّكار ، أي سلك الطريق المستقيم للذّكر والعبادة ، وذلك لأن الراجي قد ينسى مهامّ التكليف للإفراط في الرجاء ، فيتدنّى إلى البطالة في العمل والتسويف فيه ، ولا يردّه إلى الصواب إلا التخويف ، فالخوف سوط اللّه يرد به عباده عن المعاصي . . وكذلك فإن الإفراط في جانب الخوف قد ينحدر بصاحبه إلى مزالق اليأس من صلاح النّفس وبلوغ المقصد ، ولا يجيره من هذا التيه إلا الرجاء في اللّه وسعة رحمته . . وقد أفرط الخوارج في الخوف ؛ فقالوا بكفر مرتكب الذّنب ، وكذلك أفرط المرجئة في الرجاء فقالوا : إنه لا تضرّ مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة . . وكلاهما جانبه الصّواب . * عين الصواب أن يجمع العبد بين الخوف والرجاء في علاقته بربه ، ويكون على يقظة مع نفسه فإذا استرسلت في الرجاء شدّد عليها بسياط الخوف ، وإذا هي تمادت في الخوف أرخى لها عنان الرجاء . . وحقيقة الأمر أن الخوف يحتوى على رجاء ، وكذلك الرجاء يحتوى على خوف . . فالخائف من شئ راج للنجاة منه ، والراجي لشئ خائف أن يفوته تحصيله . وقال ابن عربى رحمه اللّه « من أراد طريق النجاة يلاحظ في المخالفة الخوف ، وفي الطاعة الرجاء » . * * لا يمنعنا علمنا بأن اللّه قد فرغ من مقادير العباد من العمل حسب شريعته في الامتثال بأمر عبوديته عاجلا ، والاستسلام وتفويض الأمر إليه آجلا . . وذلك لجهلنا بما قدره لنا ، والحديث الصحيح عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له » وقصة الحديث يرويها لنا علي بن أبي طالب رضى اللّه تعالى عنه قال : « كنّا في جنازة في بقيع الغرقد ، فأتانا النبىّ صلى اللّه عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله