يحيى بن معاذ الرازي

42

جواهر التصوف

دون أن تبذل في تحصيله جهدا ؛ فلما ولدت ابنها وانشغل قلبها به أمرت أن تأخذ بالأسباب في تحصيل الرّزق : وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا [ مريم : 25 ] . وقال الشاعر في هذا المعنى : ألم تر أنّ اللّه قال لمريم * إليك فهزّى الجذع يسّاقط الرّطب ولو شاء أحنى الجذع من غير هزّه * إليها ، ولكن كلّ شئ له سبب وقد كان حبّ اللّه أولى برزقها * كما كان حبّ الخلق أدعى إلى النّصب حكى لنا القشيري عن شيخه أبى على الدقاق أنه رأى النبي صلى اللّه عليه وسلم في المنام فقال له : يا رسول الله اعذرنى ، فإن حب الله شغلني عن حبّك . فقال له : يا مبارك ، من أحبّ الله فقد أحبّنى . * * * 46 - « من ادّعى حبّه فهو طالب ، فإذا أحبّه سكت » [ الحلية : 10 / 59 ] 47 - « ما ولع المريد بذكر شئ إلا استفاد منه محبة ذلك الشئ » . يحث الإسلام على التخلق بالصفات الطيبة ونبذ الرذائل وإحلال الفضائل بدلا منها ، ويتم ذلك برياضة النفس على كل ما هو جميل من الأخلاق ، فإن انصاعت النّفس سلمت ، وإلا شدد عليها بحرمانها من بعض لذائذها المشروعة حتى تستقيم على الجادّة . والتخلّق لغة : هو تكلّف أن يظهر الرجل من خلقه خلاف ما ينطوى عليه ، وليس القصد المراءاة ؛ إنما القصد هو التطبع بهذه الأخلاق الفاضلة . روى عن ابن أبي مليكة « تابعي » قال : « جلسنا إلى عبد الله بن عمرو رضى الله تعالى عنهما في الحجر ، فقال : ابكوا ، فإن لم تجدوا فتباكوا ، ولو تعلمون العلم لصلّى أحدكم حتى ينكسر ظهره ، ولبكى حتى ينقطع صوته » ( الترغيب والترهيب للمنذري 4 / 231 ، وقال : رواه الحاكم مرفوعا ، وقال صحيح على شرطهما ) . * وتباكوا : أي كلّفوا أنفسكم البكاء قسرا وكراهة ، وشيئا فشيئا يبكون علي الحقيقة من غير تصنّع إذا ما خطر على نفوسهم هيبة الله أو عذابه أو ذنوب ارتكبوها . . وهذا التخلّق ثقيل على النّفس في أول الأمر ويحتاج إلى عزم وإرادة في تكراره حتى يصير طبعا وعادة ، وإليك المثال التالي من الإيحاء الذاتي الذي اتبعه محمد بن سوار وكان من علماء القرن الثالث الهجري في تطبيع ابن أخته سهل ابن عبد الله التستري وسوقه إلى طريق اللّه ، قال له : يا سهل ألا تذكر الله الذي خلقك ؟ !