يحيى بن معاذ الرازي
23
جواهر التصوف
مما يبتغى به وجه الله ، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا ، لم يجد عرف الجنة ( أي ريحها ) يوم القيامة » صحّحه الحاكم ووافقه الذهبي . وروى الترمذي : « من طلب العلم ليجارى به العلماء أو ليمارى به السّفهاء ، أو ليصرف به وجوه الناس إليه فهو في النار » صحيح الجامع الصغير . * * * 13 - « العالم يدعو إلى عمارة الدّنيا مع العقبى ، والحكيم يدعو إلى عمارة الآخرة وخراب الدنيا ، والعارف يدعو إلى نسيان الدنيا مع العقبى » . * لأن الدنيا مزرعة الآخرة ، كما أنها مصدر لما تحيا به أجسادنا ، وتقوى به أبداننا على العبادة . . وأيضا لأن الآخرة مآلنا ، لذلك دعانا العالم إلى تعمير الدنيا والآخرة . * أما الحكيم فقد غلبت عليه نزعة الزّهد في الفانية ؛ فهو يرى أن تعمير الباقية أولى ، وما إليها المنتهى أبقى وأجمل وأصفى ؛ فلا يجمل بالمرء أن يجعل الدنيا أكبر همّه ولا مبلغ علمه ، إنما تكون الآخرة في بؤرة اهتمامه ، وشغله الشاغل ، ومحط آماله . * أما العارف فيدعو إلى نسيان الدنيا مع العقبى ، وذلك لأن قلبه معلّق بربه فقط ، لا يشغل فكره سواه ؛ فهو يعبد ربه لأنه يستحق العبادة لذاته ، فلا يطلب العارف بعبادته عوضا من أعراض الدنيا ولا من نعيم الآخرة . . لا يعبده رغبة في ثوابه ، ولا خوفا من عقابه . . بل هو على الرضا بما قدره الله له في الدارين ، ومن أحسن ما قيل في هذا : أحبّك لا لي بل لأنك أهله * وما لي في شئ سواك مطامع * * * 14 - « العلماء العاملون أرأف بأمة محمد صلى اللّه عليه وسلم من آبائهم وأمهاتهم » فقيل له : كيف ذلك ؟ قال : « لأن آباءهم وأمهاتهم يحفظونهم من نار الدنيا ، والعلماء يحفظونهم من نار الآخرة وأهوالها » [ طبقات الشعراني : 1 / 182 ] . * الرأفه غايتها أمران : توفير الخير لمن يراد به الرحمة ، وكذلك توضيح سبل الخير له ، وترغيبه في سلوكها ؛ والأمر الثاني : وقايته من أن يصيبه الشرّ ، وكذلك تحذيره منه ، وتبيان الطرق المؤدّية إليه .